فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاح بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} ، ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، فاشترى القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لاتفنى عجائبه، ولايطفأ نوره، فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستوضئوا منه ليوم الظلمة، فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ماتفعلون ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم وأنتم في عمل لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقوامًا جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا مثلهم. فالوحا الوحا [1] ، ثم النجا النجا، فإن وراءكم طلبًا حثيثًا مَرُّهُ [2] سريع وفي رواية أخرى: أين من تعرفون من إخوانكم؟! ومن أصحابكم؟! قد وردوا على ماقدموا، قدموا ماقدموا في أيام سلفهم، وحلوا فيه بالشقوة والسعادة. أين الجبارون الذين بنوا المدائن، وحففوها بالحوائط، قد صاروا تحت الصخر والآبار. أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك وأين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور. لاخير في قول لايراد به وجه الله، ولاخير في مال لاينفق في سبيل الله، ولاخير فيمن يغلب جهله حلمه، ولاخير فيمن يخاف في الله لومة لائم.
(1) الوحا الوحا: السرعة السرعة، يقال: توحيت أي أسرعت.
(2) مره: مروره.