إن علاقة الأخلاق بقيام الدول وظهور الحضارة علاقة ظاهرة، فإن فسدت الأخلاق، وخربت الذمم، ضاعت الأمم، وعمها الفساد والدمار والدارس لحياة الأمم السابقة والحضارات السالفة بعين البصيرة، يدرك كيف قامت حضارات على الأخلاق الكريمة والدين الصحيح كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليه السلام والتي قامت في زمن ذي القرنين وكثير من الأمم التي التزمت بالقيم والأخلاق فظلت قوية طالما حافظت عليها، فلما دب سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين، وبدلت نعمة الله كفرًا، وأحلت قومها دار البوار، فزالت قوتها، وتلاشت حضارتها [1] إن الصديق رضي لله عنه استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول وزوالها وفهم أن زوال الدول يكون بالترف والفساد والإنغماس في الفواحش والموبقات قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (سورة الإسراء، آية:16) . أي أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا فحق عليهم العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم. وفي قراءة {أمّرنا} [2] بالتشديد أي جعلناهم أمراء. والترف وإن كان كثرة المال والسلطان من أسبابه إلا أنه حالة نفسية ترفض الإستقامة على منهج الله وليس كل ثراء ترف [3] .
(1) تاريخ الدعوة الى الاسلام، ص252.
(2) تفسير ابن كثير (5/58) .
(3) منهج كتابة التاريخ الاسلامي، محمد هامل، ص65.