إن سياسة الصديق في حربه للفواحش حرى بحكام المسلمين أن يقتدوا به، فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يربي أمته على الأخلاق القويمة لأنه حينئذ سيقود شعبًا أحس طعم الآدمية، وجرى في عروقه دم الإنسانية.. وأما إن سلب الحاكم الذكاء، وصار من الأغبياء.. أشاع الفاحشة في قومه وعمل على حمايتها بالقوة والقانون، وحارب القيم والأخلاق الحميدة ودفع بقومه إلى مستنقعات الرذيلة ليصبحوا كالحيوانات الضالة، والقطعان الهائمة لاهم لها إلا المتاع، والزينة الخادعة، فيصبحوا بعد ذلك أقزامًا، قد ودّعوا الرجولة والشهامة [1] ويصدق فيهم قول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (سورة النحل، آية:112) .
هذه بعض التعليقات التي فتح الله بها بما ترى على البيان الذي ألقاه الصديق للأمة والذي رسم فيه سياسة الدولة، فحدد مسؤولية الحاكم ومدى العلاقة بينه وبين المحكومين وغير ذلك من القواعد المهمة في بناء الدولة وتربية الشعوب وهكذا قامت الخلافة الإسلامية، وتحدد مفهوم الحكم تحديدًا عمليًا وكان حرص الأمة على منصب الخلافة واختيار الخليفة على هذه الصورة ومسارعة الناس إلى الرضا بذلك دليلًا على أنهم كانوا يسلمون بأن النظام الذي أنشأه النبي عليه الصلاة والسلام واجب البقاء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن مات فإنه خلف فيهم دينا وكتابا يسيرون على هديه فرضاء الناس يومئذ يعبر عن إرادة الاستمرار في ظل النظام الذي أنشأه النبي صلى الله عليه وسلم [2] .
(1) تاريخ الدعوة الى الاسلام، ص 253.
(2) دراسات في الحضارة الاسلامية، احمد ابراهيم الشريف، ص210،219.