نقول: إن الشيطان يخاف العذاب الذي ينتظره في الآخرة .. وهذا الخوف يملأه رغم كل ما يفعله في الدنيا .. إنه يتبرأ من كل معصية تمت على يديه .. ويحاول أن يتنصل منها ويهرب من مسؤوليتها امام الله .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:
{كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني اخاف الله رب العالمين} الحشر16.
وهكذا يحاول الشيطان أن يتنصل من مسؤولية إغواء الانسان بالكفر والمعصية. حتى يوم القيامة، عندما يقف أمام الله، يلقي اللوم كله على الانسان .. ويحاول أن يهرب من المسؤولية.
ويعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة لهذا المشهد .. في قوله تعالى:
{وقال الشيطان لما قضي الأمر إنّ الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتمون من قبل، إن الظالمين لهم عذاب أليم} إبراهيم22.
إن الشيطان الذي زين للناس كل المعاصي والكفر، يأتي يوم القيامة ويتبرأ مما فعل، ويحاول أن يلقي اللوم كله على الانسان .. ويقول إنني لم أفعل شيئا .. إلا أنني دعوتكم فاستجبتم لي .. ولولا أنكم في أنفسكم تريدون الكفر والمعصية وتميلون اليهما، ما كنت قادرا على أن آخذكم الى معصية الله .. فلا تلقوا اللوم عليّ .. ولكن ألقوه على أنفسكم، لأنكم استمعتم الى إغوائي .. ولم يكن لي سلطان أن أقهركم على المعصية وهذه حقيقة، لأن الشيطان لا يملك أن يقهر إنسانا على معصية الله جل جلاله.
لا عقاب على القهر
إن من دلائل رحمة الله بعباده أنه يسقط عنهم كل عمل يتم قهرا حتى يكون الحساب عدلا .. فكل ما يقهر الانسان عليه ويفعله رغم إرادته لا يحاسب عليه يوم القيامة .. مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى:
{من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان} النحل 106.
وهكذا فإن الذي يكره على إعلان الكفر ـوقلبه مؤمن ـ لا يحاسب على ذلك .. ولقد جعل الله تبارك وتعالى .. منطقة الحساب ـوهي ما يعتقده القلب ـ لا يمكن ان تخضع لأي إكراه .. فأنت تستطيع أن تخضع الانسان .. ليفعل ما تريد رغما عنه .. ولكنك لا تستيطع أنتكره قلبه أبدا على أن يحبك وهو يكرهك، ولا أن تخضع القلب قهرا ليؤمن بما لا يريد أن يؤمن به.
الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن الشيطان ليس له سلطان على الانسان .. والسلطان إما أن يكون سلطان القهر .. بحيث يجعل الانسان يعمل شيئا رغما عنه بالقوة، وإما سلطان الحجة بحيث يقنع الانسان بأن يفعل شيئا بإرادته .. والشيطان