والشيطان كاذب فيما يقول .. فلو كانت هذه شجرة الخلد فعلا لأكل منها الشيطان نفسه وأصبح خالدا لا يموت .. ولكنه طلب من الله أن يبقيه الى يوم القيامة .. لأنه يعلم يقينا أن الله هو خالق الحياة .. وأنه وحده الذي يبقيها أو يذهبها ..
ولا بد أن ننتبه الى طريقة اغواء الشيطان .. إنه يحاول إغواء الانسان .. بأن منهج الله سبحانه وتعالى يضره ولا ينفعه .. وان النفع الحقيقي هو في المعصية .. لهذا قال لآدم وحواء .. إن الله منعهما من الأكل من هذه الشجرة .. حتى لا يكون لهما الملك والخلود .. والانسان يكره الفقر ويكره الموت .. ويريد أن يبقى خالدا .. ولذلك جاء لهما الشيطان ليقول لهما: إذا أردتما الخلد والملك .. فأمامكما هذه الشجرة .. وحلف لهما كما يروي القرآن الكريم:
{وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} الأعراف 21.
أي أقسم لهما أنه يريد لهما النصح .. وصدّقا القسم .. صدقا الشيطان في أنه يريد لهما الخير .. ولذلك عاتب الله سبحانه وتعالى .. آدم وحواء بأنهما صدقا قسم إبليس .. مع أنه جل جلاله قد بيّن لهما أن إبليس عدو لهما لا يريد لهما الخير .. وذلك في قوله تعالى:
{وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} الأعراف 22.
ولكن آدم وحواء هما اللذان أحسا بالندم الشديد .. ما كانا يعاقدان أن خلقا من خلق الله يقسم بالله على باطل .. ولذلك قال قتادة رضي الله عنه: المؤمن بالله يخدع .. أي إذا دخلت على مؤمن بالله سهل لك خداعه.
وكان سيدنا عبدالله بن عمر: عندما يحسن أحد عبيده الصلاة يعتقه .. فكان العبيد إذا رأوه بدأوا يصلون بخشوع .. فقال له الناس: غن العبيد يخدعوك لتعتقهم .. فقال لهم عبدالله بن عمر: من خدعنا بالله انخدعنا له.
الحق سبحانه وتعالى يقول:
{فدلاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} الأعرف 22.
لفظ"دل"مأخوذ من دلى حبل الدلو في البئر ليبحث عن الماء .. والغرور هو الاغراء الذي يوقع الانسان في المخالفة.
وهنا لنا وقفة .. لا يظن احد أن إبليس أوقع آدم وحواء .. في المعصية على مرحلة واحدة .. بل سبق ذلك مراحل .. فإبليس خدعهما أولا ليقتربا من الشجرة، ثم زيّن لهما ثمارها وحلاوتها ولونها ورائحتها، ثم بعد ذلك أغراهما بالأكل! أي أن المعصية تمت على مراحل ولم تتم دفعة واحدة .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"تعرض الفتن على القلوب عودا عودا كالحصير".. لذلك لا بد لنا أن ننتبه .. أن الاقتراب من المعصية يوقعنا فيها.