الصفحة 21 من 125

وأنعمه شحمًا وأحلاه طعمًا، حتى إنه يقال ليس في الدنيا مدينة عظيمة محيط بها سور من حلاوة. عرض السور يوم للمسافرين إلى مالقة، ويحمل منها التين إلى سائر الأقاليم حتى إلى الهند والصين، وهو مسافة سنة لحسنه وحلاوته وعدم تسويسه ونقاء صحته. ولها ربضان عامران: ربض عام للناس وربض للبساتين. وشرب أهلها من الآبار، وبينها وبين قرطبة حصون عظيمة.

ومن أقاليم جزيرة الأندلس إقليم السيارات ومن مدنه المشهورة غرناطة [1] وهي مدينة محدثة. وما كان هناك مدينة مقصودة إلا البيرة [2] فخربت وانتقل أهلها إلى غرناطة. وحسن الصنهاجي هو الذي مدنها وبنى قصبتها وأسوارها ثم زاد في عمارتها ابنه باديس بعده، وهي مدينة يشقها نهر الثلج المسمى سيدل وبدؤه من جبل سمكير، والثلج بهذا الجبل لا يبرح.

ومن المدن المشهورة المرية [3] وكانت مدينة الإسلام في أيام التمكين، وكان بها من جميع الصناعات كل غريب، وكان بها لنسج الطرز الحريرية ثمانمائة نول.

(1) غرناطة Granada: وتعني باللغة الأسبانية"الرمانة"وهي شعار الأندلس التاريخي وتأريخ غرناطة حافل بالأساطير، ربما لأنها تحتضن قصور الحمراء ولأنها كانت آخر معقل لحضارة الأندلس العربية في شبه الجزيرة الايبرية للمزيد أنظر (محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، ج8، ص 160) .

(2) البيرة: Ilbira: مدينة قديمة في الأندلس يرجع تاريخا الى العصر الروماني، تقع على نهير شنيل بالقرب من جبل يُرف باسمها وعلى مسيرة ميل وربع في الشمال الغربي لمدينة غرناطة. ولعبت دورًا كبيرا في تاريخ الدولة الأموية ونزل بها في عهد أبو الخطار حسام بن ضرار جند دمشق.

(3) ألمرية Almaria: كانت باب الأندلس عبر امتداد تاريخه ومن خلالها أقام علاقات انسانية وتجارية مع العالم الاسلامي في القرون الوسطى. أسسها المسلمون عند مرسى روماني الأصل مدركين حسنات خليجه الذي يتيح الرسو كيفما جرت الرياح. منحها الخليفة عبد الرحمن الثالث صفة المدينة في سنة 955، فبني مسجدها الجامع الذي كان يتسع لتسعة آلاف مصلي وأنشأ أسوارها. قلعتها ترجع الى عصر بني أمية وكانت مقرا لامراء وملوك المرية وهي أفضل ما وصل الينا من صروحها، فموقعها فوق قمة متطاولة لجبل منعزل يشرف على المدينة والخليج جعل منها معقلا حصينا بامتياز. أما أسوار المدينة التي بنيت ما بين القرنين العاشر والحادي عشر فكان يتخللها ما لا يقل عن ثلاثة عشر بابا. جعل المرابطون من ألمرية أهم مركز تجاري وصناعي وملاحي في الأندلس، فالمدينة كانت تنتج آنذاك كميات كبيرة من الأنسجة لكثرة المناسج المنزلية التي كانت تقوم عليها النسوة. وفي الآن ذاته قادت المرية التمرد الديني ضد المرابطين وغدت مركزا للمتصوفة برز فيه ابو العباس احمد بن العارف الذي كان له شأن كبير. سقطت المرية في سنة 1147 تحت سنابك جيش قشتالة بقيادة الملك الفونسو الثامن وبمساعدة جيوش قدمت من نافارّا وبيزا وجنوة. واستعادة المسلمين للمدينة أعاد مجرى الحياة اليها فعاودت الصلات التجارية مع شمال افريقيا والجمهوريات الايطالية، لكن شبه الجزيرة بدأت تفقد دورها كموزع للمنتجات ما بين الشرق والغرب، غير أن عودة المنفيين اليها مثّل دفعا مهما فرمّم المسجد الجامع والقيصرية والترسانات. تبعت المرية في آخر عهودها الاندلسية لمملكة غرناطة قبل أن يستولي عليها النصارى نهائيًا في سنة 1489. مر بالمدينة وأقام فيها رجالات الفكر والعلوم من قبيل الشاعر ابن شرف والمتصوف ابن مسرّة الذي جعل من المدينة مركزا للنساك، والشيخ الأكبر ابن عربي المرسي (1203 - 1165) الذي مر بها بعد اقامته في المغرب، والجغرافي احمد بن عمر العذري المولود في بلدة دلاية Dallas من كورة المرية والبكري الولبي الذي وضع في المدينة أعمالا مهمة والفيلسوف ابن باجة (راجع الروض المعطار للحميري، ص 183 - 184) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت