رجالًا شقر الألوان طوال القدود، ولنسائهم جمال مفرط خارج عن الوصف، فتركوهم في الدار ثلاثة أيام. ثم دخل عليهم في اليوم الرابع إنسان ترجمان وكلمهم بالعربي وسألهم عن حالهم فأخبروه بخبرهم، فأحضروا إلى ملكهم فأخبره الترجمان [1] بما أخبروه من حالهم، فضحك الملك منهم وقال للترجمان: قل لهم إني وجهت من عندي قومًا في هذا البحر ليأتوني بخبر ما فيه من العجائب، فساروا مغربين شهرًا حتى انقطع عنهم الضوء وصاروا في مثل الليل المظلم، فرجعوا من غير فائدة، ووعدهم الملك خيرًا. وأقاموا عنده حتى هبت ريحهم فبعثهم مع قوم من أصحابه في زورق وكتفوهم وعصبوا أعينهم وسافروا بهم مدة لا يعلمون كم هي، ثم تركوهم على الساحل وانصرفوا. فلما سمعوا كلام الناس صاحوا فأقبلوا إليهم وحلوا عن أعينهم وقطعوا كتافهم، وأخبروهم بخبر الجماعة، فقال لهم الناس: هل تدرون كم بينكم وبين أرضكم؟ قالوا: لا قالوا: فوق شهر. فرجعوا إلى بلدهم. ولهم في أشبونة حارة مشهورة تسمى حارة المغرورين إلى الآن.
ومالقة [2] : وهي مدينة كبيرة واسعة الأقطار عامرة الديار، قد استدار بها من جميع جهاتها ونواحيها شجر التين المنسوب إلى زيد، وهو أحسن التين لونًا وأكبره جرمًا
(1) الترجمان: المفسر للسان والذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة الى أخرى (اللسان 1/ 426) .
(2) مالقة Malaga: تقع جنوب شرق الأندلس وكانت مالقة مدينة ثانوية الأهمية في القرون الأولى بعد الفتح الإسلامي ولم تصبح ميناء تجاريًا على جانب من الأهمية في البحر الأبيض المتوسط سوى في عهد الموحدين ومملكة بني نصر. وكان الملك الزيري باديس بن حبوس هو من بنى القصبة فوق القلعة القائمة آنذاك. دخلها المرابطون في خريف 1090 وألحقوها بدائرة غرناطة. ويبرز من عمران المرابطين فيها تشييدهم للمساجد بصورة خاصة، كما اكتشف في قصبة المرابطين حي مكون من ثمانية منازل اقيمت على الأغلب في القرن الحادي عشر. وتتحدث المراجع عن قصر كان قائما في داخل القصبة. ثار قاضي المدينة ابن حسون على المرابطين في سنة 1145 وأعلن نفسه أميرا عليها. وكان لاستياء ابناء مالقة من حاكمهم أن طلبوا نجدة الموحدين الذي استجابوا للنداء وأقاموا حصارا على القلعة-القصر انتهى بانتحار ابن حسون. ولعب الموحدون الدور الأكبر في تطوير عمران المدينة إذ أنشأوا فيها البنى التحتية التي اعتمدها فيما بعد بنو نصر. بدأت حروب الاستيلاء على منطقة مالقة من قبل القشتاليين في سنة 1482. فقد حاصر الملك فرناندو الكاثوليكي المدينة وحال دونها والتموّن وكانت مقاومة أهلها شديدة الى درجة أنها أصبحت اكثر الوقعات دموية في تأريخ سقوط مملكة غرناطة. وتم استسلام المدينة غير المشروط في 18 أغسطس من سنة 1487 (راجع المقري: نفح الطيب، ج1، ص 186، ومعجم البلدان ج18، 376) .