فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 51

مرة في كل عام وفي مثل هذه الساعة من هذا اليوم وبعد أن ترحل الشمس، يزورني طائر الدَّان. يباتُ في شرفةِ قمرية نافذتي ويغادر قبل احمرار الشفق. تلك عادتهُ ولاأدري لماذا يختارُ هذا الوقت بالذات. إنهُ صديقي، أسود الريش ببقع بيضاء. لاأعرف لماذا خُصَّ بهذا اللون. تلك حكمة الخالق سبحانه-. عمرُ صداقتنا هو عمري. في العام الأول من تعارفنا، علمني لغته: هي انكسار الضوء. إيقاع المطر وهي صفير الريح، من المستحيل ابتكار أبجدية لها. هل للضوء وللمطر وللريح لسان كلسان الإنسان؟!.

أرقبهُ من خلف زجاجٍ ولُثمة، إنهُ طائري الجميل، أسود الريش ببقع بيضاء، يجيء بعد رحيل الشمس. يضرب بجناحيهِ الهواء الضَّحل ويحطُّ على شُرفة قمريَّة النافذة.

يُسعِد مساءك ياملك المدى..

إنَّ بي عطشًا لصوتك، غناؤك يروي جفاف روحي. كنتُ أكنس آثار من خَزَّنوا القات مع أبي الحاج، في مفرج البيت. رتبتُ المساند والوسائد والمتاكي وطردتُ دخان المدائع والسجائر. نفضتُ الثرثرة عن السجاجيد. جمرُ الموقد كاد يحرقُ لُثمتي.. يالطيف، لو عرف أبي الحاج ذلك لذبحني.

انزل ياصاحبي وقف على ركبتي مثل كل عام. أود ان أتلو عليك سور شجني. حُبوب الدُّخن في كفي. هيَّا ... تناول عشاءك من يدي فأنت جائع. إروِ ظمأك من فمي فأنت عطشان.

لماذا لاترد؟!. هل تعب السفر هدَّ ضلوعك، أم أنك مصاب بنوبة دوار الفضاء؟، لماذا تستجرُّ مصل النعاس من حوصلتك؟!.نجومي العشر انطفأت. الأكسجين في بيتنا نادر وهذا القفص يحاصرني. أبي الحاج مزق دفاتري وكسر أقلامي. أبي الحاج البسني الشرشف وقطع الحبل السري الذي يربطني بشجرة الحياة. الوقت في بيتنا مهرة مُحَجَّبة. لاتنم ياطائر الدَّان فالمصلون لم يعودوا بعد من المسجد. أتسمع؟.. إنهُ أذان العشاء. حدثني عن أخبار الدنيا التي رأيت. هل العالم رحب خارج بيتنا؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت