بها، عيون حمر وزرق كعيون الزنابير وذات يوم وفيما كان المركب يمخر عباب بحر الظلمات، قررت خلع جلد الذل والهوان. نزل القبطان إلى حيث كنت أعمل أمام الفرن الملتهب بالفحم الحجري. أخذ يكيل لي الشتائم التي كنت أفهم معظمها لكثر ماترددت في أذني وراح يركل مؤخرتي بعنف فالتفت إليه والشرر يتطاير من عيوني وبصقت كل حقدي في أخدود عينه العوراء. وعندما هم بصفعي بادرتهُ بضربة قوية بمجرفة الفحم الحامية فشجَّ رأسهُ ووقع على الأرض. خطفت جثته ورميت بها في الفرن ورحت أقلبها بين النيران حتى اشتوت واستوت. لمحت عينًا كانت ترقب الحادثة اختفت بسرعة وجريت بعدها. اضطرب الوضع داخل المركب وصفر البوق. وصلت إلى سطح المركب في الوقت المناسب فتدافع البحارة يجرون بعدي. تمكنت من فك حبل طوق الإنقاذ ومع الطوق قفزت إلى البحر. لحظات ولعلع الرصاص. تدفق الدم من كتفي وغصت تحت المياه المالحة. لم أشعر بالألم ولكن لما عمتُ إلى سطح البحر شاهدتهم، كانت الزعانف الرهيبة تشق عباب البحر بسرعة فائقة. شَهَّدتُ وكَبَّرْتُ. صارعت أسماك القرش وقاتلت قتال المستميت. رأيت بأم عيني كيف كانت تبتر أطرافي الواحدة بعد الأخرى ثم مال قرص الشمس نحو الغروب.
اعترت لولا نوبة هستيرية من الضحك. نكست رأسها إلى صدرها كي تعيد الهوك إلى موضعه. من خلال فتحة الصدر رأت نهديها يسبحان بين حبات العرق..."اثنين كعوب. رب السماء حماهم. تفاح ولِيمْ ياسُعْدْ من جناهم."كانا يرتقلان كعصفورين تبللا بماء المطر وكانا جائعين من الخوف، القمتهما أصابعها ونفخت جمراتهما حتى أشتعلا. اشتعلت الحمى في جسدها. تقيأت على قميصها. ارتعشت كرايةٍ ممزقة القماش وبدأت تصرخ وتمزق ثيابها وتأكل نبتات الزرع وتعبث بأعضائها وتتلوى كتلك الحية الرقطاء التي قرصتها قبل قليل..."بائتَبلِيمْ وامجنون. خَرَّبت حولي بائتَّليم وامجنون. تَليمْ حولي كالألف جنب النَّون. عج المكان بضجيج الحشرات وبعواء الذئاب. تشهقت تشنج جسدها ثم ارتخى كحبلٍ من مسد."
مالت شوكة النهار قليلًا، فتحت لولا عينيها وأحست بخدر وطنين وسحب داكنة تكمم فمها. كبحت دودة الغثيان. أسندت ظهرها العاري إلى الجدار. ألقت نظرة بطيئة، مرهقة على دار مُدهش. ورأتهُ ينظر إليها من الشُّباك بالنَّاظور - مقرب البعيد- تحسست آثار الجدري في وجهها وأجهشت بالبكاء حتى انطفأت شمس الظهيرة.
طائر الدَّان..