دفنت لولا رماد الذكريات واحلام اليقظة في صدرها. عقدت كُمَّي قميصها إلى خلف رقبتها ودسَّتْ ذيل ثوبها الأمامي تحت الحزام وابتدأت العمل. جلجل صوتها بالأغاني ومَوَاهَات الفلاحين.."دنى عليك الليل. يازارع العنب. ياخاتم الفضَّة. يامجلي الذهب."تخيلت كل أهل قرية الصَّفافةِ يرددون خلفها الأغاني..."شوقتني بالمواهاة يابتول. شوَّقت قلبي للمحاجين والسَّبُول."شارفت على إنجاز العمل. وقفت تمسحُ العرق من جبينها. أحست بإبرةٍ حاميةٍ تنغرز في لحم قدمها. قفزت مذعورة. رأت حية رقطاء تتلوى بين الزرع. كش بدنها واجتاحته نار محرقة. شعرت برغبة جامحة للتقيؤ. قطعت خرقة من مقرمتها وربطت ساقها- فوق القرصة -شدت الربطة ثم تناولت"الحِجْنة"وقتلت الحية. نزعت الهوك من قماش صدرها وغرزته عدة غرزات في الجلد عند القرصة حتى سال الدَّم. رفعت رجلها إلى فمها وراحت تمص الدم وتمج به إلى الأرض. قطفت أغصان من نبتة"العصفر"الشوكية وطلت قطراته الصفراء على شفتيها حتى لاتصاب بالسم وقطرتهُ أيضًا داخل فتحة الجرح ثم خلست جلد الحية وأخرجت شحمها ووضعته فوق الجرح وبورق نبتة"العُبَابِ"دلكت موضع القرصة دلكًا شديدًا. سمعت فراخ دجاجة تصوصئ فزحفت إليها وقبضت على ستة منها. فتحت الجرح واخذت فرخًا وضعت فتحة شرجه على الجرح فمات حالًا من السم الذي امتصه وكهذا كررت العملية مع بقية الصيصان فماتت جميعها. راحت تبحث عن بقية الصيصان، بيد أنها كانت منهكة، شرر الجمر يتطاير من عينيها ومطارق السم تضرب جمجمتها وتكسر عظامها. من بين الزرع أطل وجه ضبابي الملامح يهذي بالكلام..."بُنَيتي شمعة فؤادي". عادت على ردفيها إلى الخلف وتصمَّغت عرض الجدار.."بعد أن غادرت القرية وصلت إلى عدن، بحثت عن عمل دون جدوى ثم بعت نفسي لسمسار بواخر باعني بدوره لقبطان أعور بعد أن بدل إسمي باسم بحار صومالي قضى نحبهُ وسط البحر. وجُبتُ كل البحار على المركب الأجريكي. كانت مهمتي إطعام المركب الفحم الحجري. كان مركبًا شرهًا يأكل أطنانًا من الفحم في كل وجبة، يشرب من دمي ومن عرقي والقبطان الأمهص الأعور كان يكره سحنتي. يكلفني بانجاز أحط الأعمال. أعمال مرهقة، متواصلة ويختلق الأسباب لإذلالي وانزال العقوبات البحرية بي، كان يحبسني داخل المركب عندما يرسو في الموانئ ويحرمني من حقوقي. لم أستطع الخلاص من فبضته الشيطانية، حاولت الهروب أكثر من مرة وأفشل بسبب شبكة العيون التي شبكني"