في الأمس بتُّ أتقلبُ على فراشي بين الصحو والنوم. حلمتُ أنني في قبوٍ مظلم، ضيق، أضيقُ من زنزانةٍ انفرادية. رأيت كاهنة الليل تلتف بشالٍ أسود وتهبطُ من قلعةٍ سوداء. رأيتها تناول أهلي حقن النّوم فناموا في خيمة الليل والليل نام معهم حتى تقرّحت جفونه. أمّا وريدي فقد لف جرعة النَّوم. فوجئتُ بكائن لالون لبشرته، شفاف كالزئبق، مفزع كالفزع. جلس بجانبي وأسند يدهُ على كتفي.. قال: -"هل ترغبين ياآنسة بهية. أنا طوع يديك. خدماتي مجانية. اطلبي ماتشائين."ولما رأى قروح الخوف على وجهي.. قال: -"لاتخافي. تأجيل."لم أفهم قصده. وعلمت من حديثه أنهُ يُدعى"أبا شريم"، لايحملُ شهادة ميلاد ولا وثائق ثبوت جنسية، لأنهُ كما قال، ولد قبل تاسيس مصالح السجل المدني، يتنقل في أطلس العالم دون جواز سفر، لامقر إقامة لهُ، يظهر في كل مكان ولايختفي بمكان، لايُرى إلاَّ وقت الحاجة، بدون فصيلة دم وجمجمتهُ بلامقاس، آثارُ بصماتهِ ومواطئ أقدامه تُنسى ولكنها لاتُمحى، كالظل يتبعُ فريستهُ ويتورَّكُ للأحياء فيصرعهم، لايفرق بين الأب وابنه ولابين الزوج وزوجه رغم أنهُ يفرق. يؤكد الأطباء أن حواسهُ سليمة وكريات دمه لاتشيخ، لايشبع ولايرتوي وذلك أمر عجز العلماء عن تفسيره. مقطوع من شجرة. من شِيَمِهِ الغدر ومع ذلك لاينفذ مهامهُ إلاَّ بعد تلقي الأوامر.."عجِّل ياأبا شريم.. أجَّل ياأبا شريم.". وقال أيضًا إنهُ فحص عينات من أدمغة أهلي فوجد أن أهم الخلايا فيها ضامرة، لم تستخدم منذ الطفولة. ثم أختفى عندما دفع ديك الفلك بوابة الظلمة، فرأيتُ الفجر يصحو والنور ينزل من برزخه مخترقًا تجاعيد المدى الواسع وينشر بُردته فوق القرى ويطرق درفة القبو الذي كنت فيه ثم ينسل بين القضبان الصدئة ويتسلل من ثقوب العنكب والعناكب كانت نائمة في مخادعها المضروبة إلى القضبان، كانت تملأ الدنيا شخيرًا. نامي ياعناكب. لاتسمعي من يطرق الباب.
من يقرع بابنا ياطائر الدَّان؟.
ياطارق الباب بعد العِشاء. لاتطرق الباب...
ثلاث طرقات على الباب، دلالة على قدوم ضيف.
من المسجد عاد إبي الحاج مصطحبًا سجدة ولحية وقَذَى.. سحبتُ الحبل الموصول بالمزلاج الخشبي. انفتح الباب.
-"الله.. الله. يالطيف."
اختبأت النساء من اللحية المصبوغة بالحناء ومن غمازتي القذا.. من صائم الدهر."ضيفنا يصوم النهار ويقوم الليل. يحفظ سور القرآن بجميع الروايات ويخزنُ تحت عمامتهِ عشرين ألف حديث."