خلف سبعة بحور غاب والدلولا، سافر على مركب اجريكي، ترك لولا وهي بنت عام. رحل يشقى على كروشة. في عامها الثالث انقطعت أخباره. ومرت الأعوام. انتهز السرطان غياب الأب فدخل خلسة في رحم الأم وتزوجها -زواج متعة-، ثم رافقها إلى القبر. منذ ذلك الزمان ولولا تسيرُ وحيدة في الطريق، حافية القدمين بثوبٍ يشبهُ جلد الليل، يخفي تحته جسدًا ناحلًا وقامة قصيرة تتعجَّشُ تسعة عشر خريفًا وقلب سمكة مضيئة.
أغصان يابسة لأشجار شوكية تحرس الزرع للبنت المُهَرَّدَةِ لولا تؤدي التحية وتفسح الطريق. وقفت لولا بين النباتات تشاهد قوافل الغمام وهي تأكل جبال (المقاطرة) ..."هَيْدْ. هيد ياجِمْال ربَّي."وشمس غانية يقتلها الحياء بزغت من رأس جبل"دَوْمَانْ"كانت تغطي وجهها بمقرمة مَلْمَلْ. الطيور تخترق الفضاء بريش أجنحتها المدهونة بعسل"دَوْعَنْ". كان العسل يتقطر أيضًا من مهابل السحب الداكنة.."الطائر الأخضر. أينَ رَوَاحُهْ؟! هاتوا الدَّواه. شاكتبْ على جناحه.. خطابْ غرام."صوت امرأة فوق دارٍ السِّعوادةِ"ينتسفُ من البرد.."ياديكْ. ياصياحْ. ليتكْ. مذبوح. صحيتني من جنب مُرْعِشْ الرُّوح". بين أغصان شجرة الإثابْ"جَوْلَبَة"تبكي عصفورها الصغير.."من أخذ ولدي. له حنش أسود."حمامتان تهبطان فوق دار مُدْهش وغيمة جذلى تقمَّطت بالزعفران تحوم حول نفس الدار المقضَّض بالنوره. يصحو مدهش عادة قبل ديك الفجر يستمع إلى ألحان العِنْصِرّةِ ويفتح شباك غرفته مرحبًا بالغمامة البكر التي تدخل متخفية من الأعين الفضولية وتنام على سريره. يناولها حبات الفلفل فتطرح عهدها على الوسادة بأن تعود إليه سحابة سوداء. بعد ذلك يودعها ويطلع إلى سطح الدَّار يقرأ البخت من طرائق الريح ويلاحق أنفاس أهل قرية الصَّفافة بمنظاره-مَقَّرِب البعيد-. تتداول عجائز القرية كلامًا عن نيته في الزواج من عذراءٍ"حَنِكَةٍ. تتنبأ برجة الأرض قبل وقوعها". كل الأبكار حلمن وتمنين. هجرهن النوم وخفقت قلوبهن. ذهبت أمهاتهن إلى نزيلة الولي"طه"وجلسن تحت القبة يسألن عن بروج وطوالع بناتهن. قالت النزيلة لهن.."سأخبركن بالأنباء عندما يطلع الدخان من باب عدن. وبعد سنوات طلع الدخان من فوهات مدافع سعيد باشا وتحت قبة"طه"نفشت النزيلة ودعها وقالت.."دخان طلع من باب عدن صَبَابة. مُتَمنيات!! لاتسهنينْ زواجهْ". لطمت أمهات العذارى على صدورهن وخدودهن وانهمرت دموعهن كسيل وادي الصفافة من فرط