فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 51

كنتَ صبيًا ناحلًا حين جلستَ في غرفتكَ تنحت من النُّورة نماذج ناطقة لأبطال الحكايات التي كانت جدتكَ شَرود تحكيها لكَ على سطح الدار في الأماسي المقمرة. في تلك الليلة الليلاء عوت ذئاب الريح فانطفأ الفانونس، وناحت هُمِّيمَاتُ الليل وعزفت الجن من داخل شقوق الجبل. فدخلتَ هِلعًا في كيس النوم"المُريْكنِي"، مستنجدًا بصفافتك الوردية فجاءت من وادي حمامة، أو من رأس جبل شوكة، لاأدري من أين أَتَتْ. المهم أنها لبت نداءكَ وطارت تطوي الأفق حتى وصلت إلى فوق دار الزَّاهر ودخلتْ من"سُجَّارَةِ"غرفتكَ -من تلك الفتحة الدائرية، التي بسقف الغرفة- وكانتُ ياللعجبْ، تحملُ جُبح عسل النُّوب ومن داخلهِ يتضوع أريج زهرِ"العِلْب"ادخلت اصبعك فيه ولعقت ماعلق بها من عسل وفي التَّو ارتفعتْ حرارة جسدك وفرَّتْ وطاويط الخوف. حمتكَ الصفافة الوردية من الأرواح الشريرة ومن العَرْجَاءِ ذات الأنياب الزرقاء، التي كانت تحاول الدخول إلى غرفتك لمصّ الدم من رقبتك لأنك لم تنم مبكرًا.

تَسَلَّقتَ سلالم الأضواء الوردية ونمت بحضن الصَّفافة.."هَوَّاه. هَوَّاه. ياابن النِّيني، ياكُحل بعيني.""غدًا، لن تذهب إلى المعلامة ياصغيري. ستأتي جمعتكَ الحبيبة غدًا لتلعب معكَ"سُمينة دارت."في الصباح الباكر سترتكبُ بعض الحماقات البريئة وستذهب إلى شجرة"الحُنْقُصِ". ستأكل من ثمارها الحمر اللذيذة، التي تشبهُ عيون صفافتكَ. لن تأتي قرود الجبال ولا الأرانب البرية، لأنها ياصغيري قد ذاقت طعم الرصاص المر وعافت الناس.غدًا، سيهجر سيفُ الحيلةِ حريمهُ الأربع لأنهن بلغن سن اليأس وسيحاول الاستيلاء على ياقوت جبل الصفافة. ستلاحظ كيف يحقن وريده بلعاب الثعبان، لاكتساب المناعة، من سموم أعدائه. سيطلبُ النسر منكَ أن تشاطرهُ الفضاء وستلبي نداء المؤذن الذي يدعو الناس لصلاة الجمعة. في المسجد ستتهجدُ مثل جدكَ وسيعتلي الفقيهُ عبد المؤمن المنبر ممسكًا عصا الخيزران الغليظة وكتاب ابن نباتة الذي سيقرأ منهُ خطبة الجمعة. سيهز قامته القصيرة برتابة، ومن لغى فلا جمعة له. نمْ ياصغيري فغدًا جمعة جامعة والدعوة عند الله مسموعة..."

لُولاَ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت