فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 51

مجنون المفرج العالي يدخن وينتف شعيرات ذقنه. يبصق بوجه الشارع. الستائر سوداء. الوجه الذي يشبه لبن البلس البري ذاب كفص ملح. انسكب المفرج العالي في عينيه دفعة واحدة وانصهر في المحجرين. لم يتطلع إلى أيما اتجاه ولم يأبه بالضجة التي تتصاعد من أمام دكان بائع (البُرَعِي) . لم يلاحظ نصل (الجَنْبِيةِ) وهو يخفق كالبرق. في عيون الشارع شبت حرائق. احترقت الأجفان المرعوبة. لم ير سرب الحمام عندما طار من (الشواقيص) ومن رفوف النوافذ واجتاز سطوح المنازل المدببة، متحاشيًا أكياس النيلون والقراطيس الهائمة التي تلعب مع خيول الريح. سمع زقزقات فراخ الحمام، كانت مذعورة. وسمع تحطم أواني زجاجية وفخارية ونحاسية وتقلب.عربات اليد المحملة بمختلف البضائع الرخيصة كحبوب المجاذيب. داست الأقدام المجنونة على عُصب التبغ ولتتها. عطس..وعطس الشارع عطسًا متواصلًا حتى احمرت عيونهُ ونزل المخاط كسيل الجبل من مناخره. من بين الأصوات الهادرة مَيَّز صوت بائع الزلابيا، كان يصيح كالمجنون:"ياغارة الله. غيروا عليهم."أحاط الجمهور بحلبة الطّعان يتفرج على صراع الديكة. الذين في المؤخرة وقفوا على صفائح التَّنك أو تعلقوا على أبواب الدكاكين. كانت الصفائح التنكية تحدث بين حين وآخر جلبة تطعن الآذان كلما فقد من اعتلاها توازنهُ. من بين أصبعيهِ طار عقب سيجارة ملتهب مخلفًا نصف دائرةٍ من الدخان وسقط داخل مقلى الزلابيا. غاص عائمًا مع الأقراص المنتفخة الأوداج. لفَّ مع دوَّامات الزيتِ الحار مخترقًا الفقاعات التي تكركر. النساء المطلات من الشبابيك يصرخن من خلف لُثَمِهِنَّ السوداء كطيور العَيْلِ وقت السفاد. رشاش ماء حار أخذ يطرطش بالقرب منهُ. لم يلتفت. مسح غضون وَجَهه المشوَّه وتنهد. قال طفل حارة"بحر رجرج"الذي كان يرش أحجار المنزل القديم ببولهِ مضخمًا مخارج الكلمات:

-"مجانين!!"

كلكم مجانين

لو رأيت كيف قتله

خرَّجَ كرشه مثل الذبيحة

الدّم يفور مثل الزَّيت في مقلى الزلابيا

والفرث مثل البُرَعي

الدُّخان. يَعَوْ يابي. يطلع من بطنه. الله يستر!!

ماأحد قدم يِفْرَعْ بينهم. كلهم وقفوا يتفرجوا!

قالوا ثأر. مادرَّاني!!

القاتل طحس من بين أرجل الناس. مثل الثَّعْلْ اسمع صوت ونّينات سيارات النجدة

العسكر يتقافزوا. أي بالله. مثل النسور

البنادق تزبط وتنطح

أخذوا صاحب البُرَعي وصاحب الزلابيا

الله المستعان!!

تركوا الرجل ينازعُ

خاطرك يامجنون..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت