في صباح ذلك اليوم وضع شيخ المجانين بين طيات عمَّتهِ"عِرْقُ وَالَة"تفوح منه رائحة زكية. وعندما انبهرت العيون وتحجَّرتِ الأجفانِ من هول مارأت بعد إشعاع قلبي، إخضرَّ"عرقُ الوَالَة"وطال. طال حتى صار شجرة كبيرة، جذورها ضربت عميقًا في رأس شيخ المجانين وفروعها الباسقة كادت تلامس السماء. أتى كل مجانين المدينة من كل حدب وصوب حاملين الفؤوس. تسلقوا ظهر شيخهم وساق الشجرة العجيبة وانتشروا بين فروعها وراحوا يقلمونها. ضجت الدنيا. قامت ولم تقعد. عقد عقال الحارات اجتماعًا قرروا فيه إحراق شجرة المجانين من جذورها بعد رشها بالكيروسين وقرأوا"يس". لما أقبلت السيارات الكبيرة و"وَنُّانَاتها"تسبقها، كان المجانين وشيخهم قد اختفوا، وحتى يومنا هذا لم يجدوا لهم أثرًا. قال طفل حارة"بحر رجرج"إنهم فروا باتجاه الجبل تحت جنح الضباب الكثيف. أما العزِّي صاحب بقالة (الحرية) ، فقد أكد أنهُ رأى بأم عينيه كيف انشقت الأرض وابتلعت المجانين وشجرتهم العجيبة، وهو مالم تؤكدهُ الوسائل الاعلامية الرسمية ولا الأجهزةُ الأمنية للمدينة.
بعد نصف قرنٍ عدتُ. رجعتُ إلى موقعي القديم متخفيًا خلف لحية كثيفة ووجهٍ مُشوَّه. تلمست بعينين غائمتين رجع همس نميم كان ينبعث من قلب باب"السَّبح"ومن نوافذ مفرجي العالي المطفأة. أخذتُ استدرج الصور المشوشة وأصاول الوجه الذي كان يشبه لبن البلس البري. الستائر جامدة. ماالذي جرى خلف المفرج العالي؟!. لماذا لا تعود أصابع حبيبتي تزيح الستارة كسالف العهد؟!.
-لاذنب لها.
-بلى. كان يجب أن تكون في انتظاري.
-"من يغيب عن العين..."
أدري"يغيب عن القلب"لكنها تعرف السبب.
-من الصعب فهم لغة العيون بالناظور.
-لم أمهل. كنتُ على وشك أن أرى وجهها، ولكنهم كسروا ناظوري -مقرب البعيد-.
-عينان جامحتان ووجه شموس.
-انتظر لحظة. هل تعرفها؟
-حقَّ المعرفة...
-استحلفك بالله.. قُلْ لي...
-وداعًا.