الصفحة 9 من 19

وحين يذهب هؤلاء هناك ويبقى الصابرون المنتظرون تزداد فيهم آلام الأغراء بما ينشأ في عدوة الذاهبين من استقرار، وفقاعات نصر ظاهر، أو إنجاز رقمي خادع، وأما هم فليس لحالهم إلا وصف وحيد هو الصبر، ويأتي المخلصون إلى أنفسهم وعلى أئمتهم وقادتهم يتساءلون: الدهر هكذا؟ وليس هناك إلا جواب وحيد من أنفسهم لأنفسهم:- صبرًا.

هذا خباب رضي الله عنه يأتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا ليعرض عليه تنازلًا أتى به من قريش، ولا يدعوه لمراجعة ادارة الصراع، ولا لفتق حكمة غائبة غير الصبر والثبات بل يسأله أن يدعو الله لهم، دعاءً يخفف عنهم به البلاء، أو يحصل فيه الظفر بهلكة عدوهم كما وقع من نوح عليه السلام حيث قال:- {ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا} .

إنه مجرد طلب الدعاء ليحصل التغيير أو بعض التغيير، فقد زاد عناؤهم، واشتدت وطأة قريش عليهم، فهل في هذا ما يغضب؟!

لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد وهو محمر الوجه غضبًا من هذا الطلب الذي فيه معنى الشكوى، ذلك لأن للإيمان بالله تاريخ مع هذا الحال، ولابدّ للمؤمن أن يستوفي هذا التاريخ، كما أن للجنين سنة البقاء في الرحم، ولابدّ أن يستوفي زمانه حتى يخرج سليمًا معافى، لا أن يسقط خداجًا، والمرء يدعو ربه أن يتم له هذا الأمر، وأن يكون عاقبته خيرًا، ولكن هذه العاقبة لا تكون خيرًا إلا بعد تمام سنتها الزمانية، فلذلك من التعدي في الدعاء أن يطلب المرء طلبًا على غير السنة القدرية، كمن يطلب ولادة جنين من بطن أمه قبل استيفاء زمانه السنني له، او كمن طلب الولد من غير الرحم؛ أي بيئته السننية له. ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الطلب، فالدعاء هو فعل شرعي لتحقيق أمر قدري، وهو سبب من أسباب القدر، ولا يجوز تصور سبب على خلاف السنة، فإنّ تصوّر أو إيقاع هذا السبب إما أن يكون محرمًا كمن طلب الشفاء بالسحر أو الخمر أو لا يكون شيئًا لا في المعنى الشرعي ولا في المعنى القدري كمن يستقوي بالهواء لرد الجوع والضعف، فإن طلبه له يقع بهذا الفعل، أو أن يكون هذا الفعل باطل في القدر بدعة في الشرع كمن يظن أن الرقص الصوفي يحقق له الشفاء من المرض أو زيادة الرزق كما يقول أصحابه المبتدعة.

فطلب الدعاء على ما وقع من خباب رضي الله عنه إنما كان واقعه يدل على أحد أمرين أو كلاهما:- إما تغييرًا لحال الإيمان مع البلاء، وهذا تغيير لسنته الجارية في التاريخ، أو استعجلًا للعاقبة قبل استيفاء زمانها، ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الطلب، وجاء جوابه صلى الله عليه وسلم على هذين الأمرين جميعًا.

فإذا كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يرد هذه المعاني وقد طلبت من وجه شرعي وهو الدعاء فكيف لو طلبت من غير وجه شرعي كمن يبدل ويغير، أو يُنقص من الحق الذي يعتقده ليملأه بالباطل عند الأغيار؟!

إن الهروب من تاريخ الايمان وبيئته القدرية المصاحبة له لا يتحقق أبدًا، فإن وقع لطائفة فإنما يقع بسبب ضعف الايمان أو زواله، فشدة البلاء تتناسب مع شدة الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل )) (( يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت