والمقصود في الايمان هنا معاني منها التمسك بالحق وقواعده وأحكامه، فحين تطلب الجاهلية من أحدهم أن يتخلى عن قاعدة من قواعد الشرع أو حكمًا من أحكامه، فيهب ليستره أو يؤوله أو يؤجله، فتلقي له الجاهلية بعض الفتات، وترخي له في الحبل، وتبث له ببعض الرضا فإن هذا يعني ضعف الإيمان منه، فهذا ما يحكم به الرسول صلى الله عليه وسلم وتقتضيه سنن الايمان وتاريخه، أما المعاصرون فيعدون هذا من حكمة الدعوة وادارة الصراع وحسن الفقه والرسوخ فيه.
لقد آمن السحرة بموسى وهارون عليهما السلام، وكفروا بفرعون، فلما رأو اطباق الحال عليهم وأنه لا مناص من مواجهة الصلب الذي توعدهم به فرعون لم منهم دعاءً بتغير الحال، ولا بانقلاب الموقف بل سألوا سؤالًا واحدًا وهو: (( ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسملين ) )ذلك بأن وقوف المرء أمام المقصلى ليواجه الشهادة ولقاء الله ثم يخر داعيًا خائفًا من هذا الموقف بأن يغير الله الحال ويصرف عنه هذا الكأس فإن دعاءه هذا إنما هو ضعف إيمان، يوعظ فيه من قبل إمامه بأن يقف ههنا صابرًا محتسبًا داعيًا ربه أن يقبل منه البيع وأن يغفر له الذنب، وهذا هو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظته لأصحابه بأن يقفوا ويصبروا ويدعو الله تعالى بأن يثبت أقدامهم حتى يأتي الوعد في زمانه السنني له.
فحين تشكو المرأة لأختها أو لأخيها أو زوجها بأن الآلام قد برحت بها للحمل في بطنها ثم تطلب منهم أن يدعو الله تعالى لها بأن يعجل في الولادة قبل أوانها، فإن هؤلاء لا يقبلون طلبها، بل ينصحونها بالصبر والثبات، وهم بإيمانهم يدعون الله تعالى بأن يصبرها وأن تكون العاقبة خيرًا بالجنين تامًا سليمًا، والعاقبة على هذا المعنى لا تكون إلا في زمانها السنني الملائم لها، ولكن يمكن للمرأة أن تخرج من هذه الآلام مبكرًا باسقاط الجنين، كما يمكن للمبتلى في سبيل الله أن يخرج من البلاء بالخروج من الإيمان أو بعضه، وهذا ما يقع به الكثيرون، وذلك بالاعتذار عن الحق أو تأجيل حقائقه، فيحصل لهم المطلوب؛ أي بالخروج من البلاء أو بعضه، ولكن مقابل ذلك خرجوا من اثنين هنا الايمان أو بعضه، وخرجوا كذلك من مرتبة الإمامة التي كانت تنتظرهم ليقع الوعد عليهم بالنصر والتأييد كما قال تعالى (( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) )، ففاتهم هذا النصر وهو أشد الأمرين لو كانوا يعلمون.
إن طلب الدعاء هنا في حال خباب رضي الله عنه يحمل كما تقدم دلالتين هما:- طلب تغيير الحال لشدة العناء، وهذا علاجه الصبر وقراءة تاريخ الإيمان الدال أن بين البلاء والإيمان اقتران قدري كما قال تعالى (( أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) )وقوله تعالى (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) )، وآيات أخرى في هذا المعنى.
وأما الدلالة الثانية هو استعجال نتيجة الإيمان أي النصر والتأييد، وهذا كما قال الله تعالى (( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) ).
والدعاء ههنا في هذين الأمرين ليس محبوبًا ولا شرعيًا، ولذلك لم يستجب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا مع علم قارئ سيرته صلى الله عليه وسلم في طلب الآخرين منه الدعاء على وجوه منها:-