الصفحة 8 من 19

قال:- فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر رضي الله عنه دونه يقول وهو يبكي (( أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله ) )ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريش بلغت منه قط.

أما ما وقع لأبي بكر رضي الله عنه في هذا فقد وصفت حاله ابنته أسماء رضي الله عنه، فإنها قالت عن خبره وقوله لقريش (( أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) )قالت: فلهوا عن رسول الله وأقبلوا على أبي بكر، قالت:- فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئًا من غدائه (وهي أربع) إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

فهذا الحال هو سمة المؤمنين في مكة يومها وقد طال عليهم هذا الأمر حتى ظنوه أنه سيكون إلى الموت والأبد كما نطر هذا عثمان رضي الله عنه فإنه قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء إذ بعمار وأبيه وأمه يعذبون في الشمس ليرتدوا عن الإسلام. فقال عمار:- يا رسول الله، الدهر هكذا؟! فقال: صبرًا يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت.

وفي سؤال خباب لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، إذ يشكو أن الأمر قد طال وامتد، وهي سنون قاسية شديدة، لم تكل قريش خلالها عن سنتها، وليس هناك من أمور في عالم الشهادة تتشكل لتعطي بعض الأمل أن الحال في تغير وانقلاب، وهم ينتظرون وينتظرون، وكلما طال الزمن طال الألم واشتد صراع النفس وحديثها، هذا الصراع والحديث الذي يختبر الإيمان بالوعد القادم أن العاقبة للمتقين.

هل يبعد في هذه الحالة أن ينشأ السؤال الذي ينشأ اليوم بسبب طول الطريق واستعجال النتائج أن المشكلة في (( تكلسنا ) (( جمودنا ) )؟ هذا (( الجمود ) (( التكلس ) )الذي سلكناه في أول الطريق بسبب ألق الإيمان في ابتدائه الذي فرض القيمة والشعار:"إما نحن أو أنتم"، ولا لقاء بين ديننا ودينكم، ولا بين قيمنا وقيمكم.

هل كنا في غرور في إمكانية أن نكون الوارثين للغد القادم فلا يكون إلا نحن بديننا دون بقية الآخرين بأديانهم الباطلة؟

ها نحن بسبب هذا"التكلس"و"الجمود"نعاني الوحدة في فضاء معادٍ، والأفق المظلم الذي لا تبدو له نهاية، فلنترك الوراثة للأجيال التالية، وإدارة الواقع اليوم تقتضي الحفاظ على الوجود من خلال قبول المشاركة أو المناصفة.

هذه أسئلة الحكمة المزعومة، وهي فرضيات الادارة التي تلغي الصراع على أساس الدين، وإنما على أساس برامج الاصلاح الدنيوي بين الفرقاء.

يقولون:- إنها سنون طويلة لم نحقق فيها أي إنجاز ظاهر، وها هم غيرنا ممن قبلوا المشاركة قد كثر أتباعهم، وجذروا وجودهم، وفرضوا قيمهم، وأما نحن فقد احتوتنا عقائد كلية لم نستطع عزلها عن مفهوم ادارة الصراع فوقعنا في عالم الشعارات التي أقامتنا في مكانن الأول الذي بدأن فيه؛ هكذا يقول حكماء العصر!! ودهاقنة سياسة العقيدة الاسلامية الذين أرهقهم الانتظار، وكسرهم الصبر!! فكانت مرحلة إعادة النظر ومراجعة الحسابات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت