الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا، اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدًا، ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا )) .
هذا قوله رضي الله عنه عن نفسه ومقارنة ما كان يجد هو ويجد بلال، مع أن بلال كان يجد الكثر من العذاب في الله تعالى، فقد روى أحمد وابن ماجه وصحح البويصري سنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أول من أظهر الاسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد رضي الله عنهم، فأما رسول الله فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وهصروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد.
وهذا لا يعني أبدًا أن الممنوعين من قريش لسبب من الأسباب لم يكن لهم نصيب من الايذاء والصبر في الله تعالى، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الممنوع بعمه يلقى من قريش الكثير، فقد أخرج البخاري عن عروة قال:- سألت ابن العاص رضي الله عنه فقلت:- أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة اذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم.
وعند أحمد مطولًا ومجودًا عن عروة قال قلت لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عدواته؟ قال:- حضرتم -وقد اجتمع اشرافهم في الحجر- فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط! سفّه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسبّ الهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم!! -أو كما قالوا- قال:- فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استقبل الركن ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، قال: (( أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح ) )فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا وكأنما على رأسه الطير واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدًا، فوالله ما كنت جهولًا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر -وأنا معهم- فقال بعضهم لبعض؛ ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم منه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه! فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأطافوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟! -لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم- قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:- (( نعم أنا الذي أقول ذلك ) )