الصفحة 6 من 19

إن أساس ضلال البشرية جمعاء هو الخضوع للبيئة، وعامة كفر الناس إنما هو سببها كما قال الله تعالى عنهم {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} وقد حذرهم من هذا وهم في ظهور آبائهم قائلًا {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} وهذا قد فُسِر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) )فبيئة النصر لا يجوز أن تصنع للهداة مزيد ايمان بدينهم وقيمهم ودعوتهم، وبيئة الهزيمة لا يجوز أن تصنع فيهم ضعف الايمان على هذه القيم، ولكن العجيب أن البعض يزعم أنه اهتدى للحق حين دخل الظرف البيئي الجديد، وهذا كاف أن يشيب النوايا بكل التهم والظنون، ولذلك من حق كل ناظر أن يقول: أنا لا أثق بكلام رجل يساوم بين قيمه ومنافعه وهو في ظرف الصبر والابتلاء، وهو قول تؤيده الأحكام الشرعية المستقرة.

بلا شك سينشأ سؤال وهو حاضر في أذهان القادة والمسؤولين، وهو سؤال تحكمه قواعد المصالح التي حطت بشرّها في عمق العقل الفقهي المعاصر الذي أفسد الشرع وحقيقته، وهو السؤال الذي يعترف صاحبه أنه قد تنازل مقابل رفع البلاء عن الأتباع، وقدم لخصمه بعض ما يريد حتى يخفف عن الناس محنتهم وظروفهم وسأترك الاجابة على هذه الموازنة حتى يأتي مكانها في هذا الحديث العظيم الذي هو من الأحاديث اللازمة لمعالجة النفوس في هذا الظرف وهذه البيئة.

فقد روى البخاري في مواطن عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال:- أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقد - وهو محمر وجهه- فقال:- لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون )) .

لقد كان الصحابة رضي الله عنهم في مكة على مراتب من عذاب قريش عليهم، فهناك من لا سند له البتة من الحماية أو الاحترام والتقدير فهؤلاء هم الأكفر عذابًا وإهانة وكان من هؤلاء خباب بن الأرت رضي الله عنه، فقد أخرج ابن سعد عن الشعبي قال:- دخل خباب بن الأرتّ رضي الله عنه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأجلسه على متكئه وقال:- ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا الرجل إلا رجل واحد، فقال له خباب:- من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: بلال. فقال خباب:- ما هو بأحق مني، إن بلالًا كان له في المشركين من يمنعه الله به ولم يكن لي أحد يمنعني، فلقد رأيتني يومًا أخذوني فأوقدوا لي نارًا ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجلٌ رجله على صدري فما اتقيت الأرض"أو قال: برد الأرض"إلا بظهري. قال: ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برص.

وخباب رضي الله عنه كان قينًا؛ أي حدادًا، ففي الصحيحين أن مسروق بن الأجدع حدث عن خباب أنه قال: كنت رجلًا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال:- قلت:- لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال:- وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد، قال:- فنزلت (( أفرأيت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت