الصفحة 5 من 19

والنهار، وفي السر والعلن، وسكون المجاهد هو ثباته في ميدانه ومعركته، لا يتغير ولا يتبدل بما يقع له من ظروف سننية تقع للمقاتل في ميدانه، وسكون السجين هو سكون النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب ثلاث سنين، وسكون يوسف الكريم من قبله في السجن، وهو سكون فاعل كفاعلية الزارع الذي ألقى البذر في الأرض ويتنظر نماءها وحضورها.

لقد ظن البعض بسبب الضعف والانكسار أمام اللحظة الراهنة أن وقوعهم في هذه الفترة بداية الحراك أو اثنائه يستدعي منهم المراجعة، وهي مراجعة آلت إلى قبول عروض الجاهلية، وهذا الانكسار نفسي وعلمي، أما إنه نفسي فلأنه رضوخ الخصم راكعًا ضعيفًا أمام خصمه، والمرء قد يهزم في الميدان، بل إن الأنبياء يقع عليهم غلبة قوة أعدائهم كما وصف ذلك أبو سفيان في حديثه مع هرقل، ولا دلالة لهذه الهزيمة في ميزان الحق والباطل لأن الأيام دول، وهذه سنتها وهي لا تتغير ولا تتبدل لأحد كائنًا من كان، لكن الانكسار النفسي هو الهزيمة الحق التي تفرح الأعداء حقًا، والقيام بعده صعب وشاق وعسير، بل قد يحتاج إلى تبدل أجيال ليقع التغيير والخروج من التيه، وبالسقوط النفسي يسقط الرمز والمثال وتذهب اللحظة الراهنة من عمر التاريخ كما قال تعالى {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} وهي مطلب الشيطان الرئيس، لأن سقوط المرء من صفحة التاريخ يعني ذهاب حلقة الاتصال التي تحقق الهداية للأجيال، ومهما ادعى الناكصون أن لانكسارهم هذا صفة العلم والبحث والتراجع المبني على الدراسة والتأمل -زعموا- فإن حصوله تحت السوط والسجن وبيئة الصبر تحرمهم في عالم الشهادة والحضور التاريخي من دخول عالم الصدق والقبول والاحترام، فهي في ميزان التقييم لكل ناظر أنها مجرد أثمان تدفع لتخفيف الوطأة وتحقيق المنفعة بالخروج من هذه البيئة وهذا الظرف، فهي انكسار نفسي ليس للعلم فيه دور إلا الطلاء الظاهر المموه،

أما إنه انكسار علمي فهو دليل على أن الرسوخ على الموقف السابق لم يكن بسبب قوة الدليل والبحث، وهذا الموقف السابق كان في زمن أطول وسعة أرحب، فكيف يصدق القوم أن ما نشأ في زمن الصبر مع ضيقه النافر عن سمة العلم والبحث قد حقق لهم جديدًا هو الأصوب من علم كان سبيله الهدوء والأناة والسعة؟!

الراسخون في العلم يعني أن لهم صفة الثبات، وهو لا يكون إلا على قواعد اليقين والاحاطة، لكن البعض يخدع نفسه حين يجبر ضعف العلم وقلة رسوخه بالبيئة التي يحياها، فيعيش فيها من خلال نظام القطيع، فما أن تتغير البيئة حتى يظهر عوار وضعف العلم وقلة ثباته وعدم رسوخه، ولذلك فمن فوائد العيش في الظرف الموصوف سابقًا أنه يحقق ابتلاء هذا العلم تحت أقسى ظروفه وهو أن لا يكون العلم إلا مجرد اعتقاد الصواب حتى لو لم ير المرء فاعلية هذا الاعتقاد الصائب، فالاسلام واليقين عليه لا ينبغي أن يكون إلا بسبب أنه الحق في نفسه حتى لو خلا عن الفاعلية المنظورة، أما الذين يأتون إلى الحق لوقائعه المادية في الآخر، أو منافعه الدنيوية للنفس فإن هؤلاء لا تتحقق بهم الامامة التي لها فضل الاقتداء بالأوائل الذين ذهبت بهم الغربة الأولى، حتى النصر على الأعداء فقد جعله الله من نصيب المؤمن في الدنيا فقال {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب} ، فالراسخون والهداة يأتون للحث لأنه كذلك في نفسه، ولتحقق هذا المعنى فلابدّ أن يعيشوه في بيئة الصبر والانتظار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت