لقد طلبت الجاهلية بعض الأمر من صاحب الدعوة وأتباعه، فإنها جادلته في أصولها أولًا، ثم جادلته في نسبيتها، وعن أشد ما آلمها من هذا الداعي وأتباعه هو رفع راية التبكيت والسب والتحقير لقيمهم ورموزهم وتاريخهم.
لقد جادلت الجاهلية رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصول دعوته كما قال تعالى: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة الهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق، أءنزل عليه الذكر من بيننا، بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب} .
فردوا توحيد الله، وردوا رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم.
كما جادلوه في اليوم الآخر فقال الله تعالى: {ق، والقرآن المجيد، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب، أءذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد} .
وحاولوا منه صلى الله عليه وسلم أن يقبل بنسبية اللقاء وسط الطريق بين قيمهم وبين ما يدعو إليه فقال تعالى مثبتًا رسوله من متابعتهم: {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين} .
وكانت الضغوط خلال هذه الفترة لتحقيق بعض النجاح في هذه الدعوة وصاحبها وأتباعه، وكان مجرد ثباتهم يدفعهم لمزيد من الأذى البدني والنفسي، ولكن ويدفعهم لبعض التنازل، حتى يصل بهم الحال أن يكون كل جهدهم تحقيق منع لحوق أتباع جدد فوق الموجود، أو منع اختراق هذه الفئة لحدود مكة إلى أقوام آخرين، فهي فترة الضعف الذي فيه اختبار الثبات، لأن من لا يؤمن على هذه القيم وهو تحت ضغط القهر والضعف فإنه لا يؤمن عليها في زمن النصر والغلبة والقوة، كما أن من لم يعاني مرارة انتظار الفرج فإنه لن يعرف قيمته ولا أهميته إن جاء ثم لحق به النصر والفتح.
فهذا اختبار حقيقي، وخلاله يتم تشكل المولود في عالم الغيب حيث يتم النمو للجنين، ومن تمام صحة هذا المولود أن يخرج في أوانه القدري الملائم له، وأخطر أمراض هذه الفترة هو الاستعجال الذي يدفع للتنازل أمام طروحات الجاهلية، ولا ينشأ هذا الاستعجال إلا لتلك الأسئلة التي يطرحها فراغ الصبر والانتظار واحتمال المكروه.
الاستعجال يعني أن صاحبه كامن ساكن على حالة واحدة في ظاهر الأمر، لكن خلال هذا الانتظار يتم تشكل ما لواجب عامل الزمن الذي لا محيد عنه، وسننية هذه الحالة تقتضي وجوب الصبر على الظرف والثبات عليه، فهناك بذرة في باطن الأرض تتشكل في داخلها ليحصل لها الانطلاق للخارج ليتم المراد الثاني منها، واخراج هذه البذرة من محيطها- أي الفعل- كالتنازل أو المقايضة رجاء الخروج من المحنة والفتنة والابتداء هو تأخير لوقتها أو تدمير لها واذهاب ما أهلت له.
السكون هنا لا يعني الاختفاء، ولا ترك الفعل اللازم للمرحلة، فرجل الكمائن سكونه في مكمنه يعني الحضور والمراقبة والتنبه لقدوم الفريسة لاقتناصها، وسكون الداعي هو ثباته على فعله القائم به من الدعوة والصبر عليها وتبليغها في الليل