الصفحة 12 من 19

-وفي حال آخر كان صلى الله عليه وسلم لا يستجيب لسائله لمعنى غير شرعي في طلب السائل كما في حديث خباب هذا، وكما في نهيه أم حبيبة رضي الله عنها عما علم تقديره وفراغ الكتاب فيه، فهم ابن مسعود قال: قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية ) )قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حلّه، أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل.

والمعنى الذي تقدم في حديث خباب هو المعنى الذي ترك من أجله صلى الله عليه وسلم الدعاء بتخفيف وطأة المرض عليه فقد روت فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة أنها: أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء نعوده، وقد حُمَّ فأمر بسقاء مغلق على شجرة ثم اضطجع تحته فجعل ماؤه يقطر عليه من شدة ما يجد من الحمى، فقلت: يا رسول الله لو دعوت الله أن يكشف عنك، فقال: إن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

وفي عدم اجابة بعض سائليه الدعاء أحاديث أخرى منها ما رواه أبو نعيم عن بشير بن الخصاصية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- أحمد الله الذي جاء بك من ربيعة القشعم حتى أسلمت على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يمتني قبلك، قال: لست ادعو بهذا لأحد.

وهكذا يدل على أن الدعاء مع شرعية أصله إلا أنه لا يشرع إن كان بلا معنى أو طلبًا لمعنى غير شرعي أو كان دافعه معنى غير محبوب إلى الله تعالى، ولهذا لم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع شدة البلاء عنه لأن هذا هو سنته مع الأنبياء في وعكهم ومرضهم، وكذلك لم يدع لخباب لأن هذا البلاء والصبر هو سنة الله الجارية مع المؤمنين، فإن المرء وإن دعا ربه برفع البلاء، لكنه عليه أن يدعو بلا جزع لطول المسير، ولا استعجالًا للشيء قبل أوانه.

وهذا البلاء رحمة للمؤمنين ومكر بالمنافقين والكافرين، فإن أهل الضلال يكون البلاء على المؤمنين سببًا في شكهم بالحق الذي معهم، وأهل النفاق يكون سببًا لكشفهم في ضعف إيمانهم، لكنه في حقيقة الأمر هو خير ورحمة للمؤمنين، فإن بالبلاء ترفع الدرجات، ويبلغ المرء بها ما لا يبلغ بغيرها، والصبر عليه يكون سببًا لتحقيق النصر وإزالة استقرار الكافرين وسلطانهم، وهذا بين في سورة العنكبوت فإن الله تعالى قال:- (( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين، أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ) )، فإن قوله (( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ) )هو تهديد لهم في استقرارهم الحالي وفرحهم الآني، وفي فراغهم عن البلاء في أول الأمر ثم إنهم على موعد آت من العذاب والبلاء، وهو بلاء لا عاقبة له، ولا انتهاء، وفي هذا بيان في افتراق بلاء المؤمنين عن بلاء غيرهم، فإن بلاء المؤمنين له عاقبة ولا عاقبة لعذاب وبلاء الكافرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت