إن عدم هذا الفقه وضعفه هو الذي يسرع بأصحابه إلى التغيير والتبديل رجاء الخروج من البلاء، ولو علموا تاريخ الإيمان وأنهم حلقة موصولة في هذا التاريخ لما وقعوا في سبل التخفف من المراتب العليا رجاء زوال البلاء أو بعضه، ولهذا قد فقههم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرين عظيمين هما:- ضرب المثال بالسابقين وتذكيرهم بسنن طريق الايمان وبلوغ الغايات والمراتب وتحقيق النصر، ثمّ بالعاقبة الآتية والتي لا راد لها، إلا أن لها أجلًا معلومًا وقدرًا مضروبًا ولا تغيير فيه.
فلابدّ للإيمان أن يعيش ظرفه القدري، ولابدّ أن تجري عليه سنته حتى يتحقق الوعد والظفر والنصر، والمثال الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه هو مثال الفداء والتضحية والثبات حتى لو لم يكن لهم وعد بالغلبة، إنما هو الثبات من أجل الثبات وحده ليحصل الموت على الايمان.
هذه القيمة هي خاصية هذا الدين في تاريخه كله، وهو أن اللاحقين به لا يأتون إليه لشيء دنيوي قط حتى لو كان هذا الدنيوي هو النصر والغلبة والظفر بالأعداء، بل يتون إليه ليرضى عنهم ربهم ويحصل لهم الموت على الايمان فيتحقق لهم بلوغ الجنان، فهذا فقه الايمان ودلالته وتميزه عن غيره من القيم الأخرى والأديان الباطلة، فهذا الدين حق في نفسه، وهو يحقق مقصد الوجود الانساني بتوحيد الله وعبادته، وليس لهم إلا رضى الله وبلوغ الجنان.
هذا هو تاريخ الايمان، وهذا مثاله الحق، وما يحصل من الظفر والنصر الدنيوي هو من باب الرحمة الالهية بالخلق حتى لا تقع الفتنة والانصراف عنه كما قال تعالى (( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبوابًا وسررًا عليها يتكؤون وزخرفًا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين ) )،فالبلاء هو السنة الحقيقية للإيمان، والنصر الحقيقي له هو الثبات عليه حتى الوفاة، ولذلك من أخطاء بعض المصنفين المعاصرين كأبي الأعلى المودودي هو قولهم: إن بعض الأنبياء لم يتحقق لهم النصر التام، لأنهم تصوروا أن النّصر لا يكون إلا بالغلبة على الأعداء ظاهرًا، مع أن هذه هي زيادة في لغة القرآن ومنهجه وحكمته، وقد حكم الله بالنصر لجميع الأنبياء بقوله (( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) )، وبعض الأنبياء قد قتلوا، وكلهم قد أخرجوا من ديارهم وهاجروا، فكان النصر هو ثباتهم، وهزيمة أعدائهم بعدم قدرتهم في ردهم عن الحق مع سلطانهم وعذابهم وجبروتهم، فهذا هو النصر الأعظم في حقائق الوجود وبيان القرآن.
لقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لخبّاب ما كان يقع للسابقين من أحوال الصبر، وأنهم كانوا يواجهون الموت عذابًا وابتلاءً دون أن يردهم هذا عن دينهم، ولا يعني هذا أبدًا أن حال أتباع الأنبياء السابقين خير من حال الصحابة، ولا مرتبتهم خير من مرتبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الأمة خير الأمم، وخيارها خير من خيار بقية الأمم، فالله عز وجل عندما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأنبياء لم يعن هذا أن المقتدى بهم خير من رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا هو مقتضى سنة التاريخ أن اللاحق يقتدى بالأول وقد يبلغ التالي من الفضل ما لا يبلغ السابق، وهذا شبيه بالعلم وحمله فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (( ربّ حامل عالم إلى من هو أعلم منه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) )، وفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جملة على فضل أصحاب وحواري الأنبياء السابقين له أسباب عديدة منها ما هو ذاتي من الخير والايمان في قلوبهم، ومنه هو لأسبابهم المتعدية إلى غيرهم رضوان الله عليهم،