يا رسول الله انزل فينا ؛ فإن فينا العدد والعشيرة والحلقة ، ونحن أصحاب الفضاء والحدائق والدرك ، يا رسول الله ؛ قد كان الرجل من العرب يدخل هذه الشجرة خائفًا فيلجأ إلينا فنقول له: قَوْقِلْ حيث شئتَ ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتسم ويقول: ( خلوا سبيلها فإنها مأمورة ) . فقام إليه عبادة بن الصامت وعباس بن نضلة بن مالك ، فجعلا يقولان: يا رسول الله ؛ انزل فينا . فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( بارك الله عليكم ؛ إنها مأمورة ) )اهـ.
ولا تعارض بين هاتين الروايتين كما هو ظاهر ، فإن رواية الصالحي قد فصَّلت ما أجملته رواية ابن هشام .
خامسًا: قال ابن إسحاق: « فانطلقتْ حتى إذا وازنتْ دارَ بني بياضة » اهـ.
بنو بياضة بطن من بني جشم من الخزرج ، تقع منازلهم شمال مساكن بني سالم بن عوف ، وتمتد شرق وادي بطحان [1] .
وبنو بياضة في رواية ابن إسحاق وغيره ثاني أحياء الأنصار الذين قابلوا النبيَ - صلى الله عليه وسلم - في هجرته للمدينة ، إلا أن ابن حبان في سيرته ، والصالحي في (( سبل الهدى والرشاد ) ) [2] قَدَّما بني ساعدة على بني بياضة ، ولعل هذا الاختلاف بين الروايتين يعود إلى قرب منازل هذين الحيين من بعضهما وتداخلهما ؛ فبنو ساعدة على الطريق ، وبنو بياضة بقربهم إلى الشمال قليلًا ، وإن كانت النفس تميل إلى رواية ابن إسحاق وابن سعد ومن وافقهما ؛ لأن المعول في السيرة عليهما ، والله أعلم .
(1) مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ص 336 .
(2) انظر: سيرة ابن حبان ، ص 142 . وسبل الهدى والرشاد 3/272 .