الصفحة 17 من 26

وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دُبرها من وجهين: أحدهما: أنه أباح إتيانها في الحرث، وهو موضع الولد لا في الحُشِّ الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} الآية، قال: {فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضًا، لأنه قال: أنى شئتم، أي من أين شئتم من أمام أو من خلف. قال ابن عباس: فأتوا حرثكم، يعني في الفرج.

وإذا كان الله حرّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحُشّ الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدًا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان.

وأيضًا: فللمرأة حق على الزوج في الوطء، ووطؤها في دُبرها يفوّت حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يُحصّل مقصودها.

وأيضًا: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل، ولم يُخلق له، وإنما الذي هُيئ له الفرج، فالعادلون عنه إلى الدُبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعًا.

وأيضًا: فإن ذلك مُضرّ بالرجل، ولهذا نهى عنه عُقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه، والوطء في الدبر لا يُعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي.

وأيضًا: يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدًا لمخالفته للطبيعة.

وأيضًا: فإنه محل للقذر والنجو، فيستقبله الرجل بوجهه، ويُلابسه.

وأيضًا: فإنه يضر بالمرأة جدًا، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع، منافر لها غاية النفرة.

وأيضًا: فإنه يحدث الهم والغم، والنفرة عن الفاعل والمفعول.

وأيضًا: فإنه يُسوّد الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة.

وأيضًا: فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد، والتقاطع بين الفاعل والمفعول فيه، ولابد.

وأيضًا: فإنه يُفسد حال الفاعل والمفعول فسادًا لا يكاد يُرجى بعده صلاح، ألا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.

وأيضًا: فإنه يذهب بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدها، كما يذهب بالمودة بينهما، ويبدلهما بها تباغضًا وتلاعنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت