ما أنا بآكل حتى تأكل! قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي - فذكر ذلك له، فقال النبي: «صدق سلمان» [1] .
فالنبي - لم ينكر على امرأة أبي الدرداء تبذلها، ولم يكن تبذل المرأة إلا بسبب انصراف زوجها عنها، ولو كان تجملها واجبا لما كان لها الحق في التبذل مطلقا.
الرابع: ما جاء في قصة سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة جاءت إلى رسول الله - فقالت: [يارسول الله كنا نرى سالما ولدا، وكان يدخل علي وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد؟ فقال لها رسول الله - فيما بلغنا: «أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها» [2] .
وجه الدلالة: قولها [وكان يدخل علي وأنا فضل] والمراد بفضل أي: متبذلة في ثياب مهنتي. يقال: تَفضلت المرأة إذا لبِست ثياب مِهنتها أو كانت في ثوب واحد [3] . فهي تعذرت بأنها عليها ثياب مهنتها التي تتخفف فيها وهي في بيتها وليس ثياب زينتها، ولم ينكر عليها تصرفها ذلك، ولو كانت الزينة واجبة عليها لما كان لها استخدام هذا اللون من الثياب في بيت الزوجية.
فهذه الوقائع وغيرها مما وقع في زمن النبوة يستفاد منها أن التجمل من حيث الأصل ليس واجبا على المرأة، ولو كان واجبا لما أقرهم الشارع على الخطأ، والأحاديث التي جاءت بالأخذ بالزينة غايتها أنها تدل على الاستحباب فليس في شيء منها ما يفيد الوجوب.
المطلب الثاني: حكم تجمل المرأة لزوجها بطلب منه.
إذا أمر الزوج زوجته بالزينة عموما أو بلون من ألوانها يرغبه فيها، وهيأ لها ما طلب
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر (2/ 694) ، (1867) .
(2) أخرجه مالك في الموطأ (2/ 605) .
(3) النهاية (3/ 878) ، وينظر: جمهرة اللغة (2/ 8) .