ومزق التعصب هيبة النصوص الشرعية، وفتح الباب على مصراعيه للطعن فيها، وجعل كثيرًا من المناقشات -التي تبدو علمية- غير ذات جدوى، أو قلل من قيمتها حيث تفوح منها رائحة الانتصار للشيخ أو المذهب. كما عطل عقول كثير من المسلمين عن التفكير، وجعلهم يتكئون على جهود غيرهم، ثم وصل الحال إلى قفل باب الاجتهاد، وبعبارة أخرى: توقف حركة الإسلام وانحسار مده؛ فإن الحياة متجددة، ومشكلاتها وقضاياها لا تتناهى، فإذا توقف المسلمون عن تقديم الحلول، وبيان حكم الله ورسوله في النوازل؛ أخذ الناس بحكم الطواغيت من الشيوعيين وعبدة القانون البشرى.
ومن الملحوظ أن الفترات التي تسيطر فيها على المسلمين مثل تلك الأفكار الجامدة _ هي فترات الضعف والوهن والانحطاط في جميع جوانب الحياة الإسلامية: السياسية، والعسكرية، والعلمية، والاجتماعية.
ونختم هذه الفقرة بأبيات للمنذر بن سعيد -من شيوخ الأندلس- ينعى فيها على المقلدين من أهل مذهبه فيقول:
عذيري من قوم يقولون كلما
طلبت دليلًا هكذا قال مالكُ!
فإن عدتُ قالوا: هكذا قال أشهب
وقد كان لا تخفى عليه المسالكُ
فإن زدت قالوا: قال سحنون مثله
ومن لم يقل ما قاله فهو آفكُ
فإن قلتُ: قال الله ضجُّوا وأكثروا
وقالوا جميعًا: أنت قرن مماحكُ (1)
وإن قلت: قد قال الرسول؛ فقولهم
أتت مالكًا في ترك ذاك المسالكُ (2)
.أما الرأي الذي نرتضيه، ونعدّه وسطًا -بمعنى الوسطية المطلوبة، التي هي الاعتدال بين الغلو والجفاء-، فيمكن تلخيصه في الفقرات التالية:
(1) مماحك: الذي يلج ويتمادى في المنازعة. المعجم الوسيط (2/890) .
(2) ذكر هذه الأبيات الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/172) .