(1) الأئمة المتبوعون -وغيرهم من علماء السلف- سادات فضلاء، والأصل فيهم أجمعين أنهم لا يقولون إلا ما وافق القرآن والسنة، وأنهم لا يخرجون عن نصوص الوحيين قيد شعرة، وأنهم لا يستدلون إلا بالأدلة التي أحال عليها الشرع؛ ولذلك روى البيهقي"أن رجلًا سأل الإمام الشافعي عن مسألة فأفتاه، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا. فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال -أي الشافعي-:"أرأيت في وسطي زنارًا (1) ؟! أتراني خرجت من الكنيسة؟! أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول لي: أتقول بهذا؟ أروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول به؟!" (2) ."
وما من إمام من أئمة الهدى إلا أثر عنه نحو ما أثر عن الشافعي رحمه الله تعالى، وليسوا يختلفون أنه ليس لأحد مع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قول، وكما قيل:"إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل".
(2) أن هؤلاء الأئمة غير معصومين عن الخطأ، أو التقصير، فقد لا يبلغهم الحديث أصلًا، وإن بلغهم فليسوا معصومين عن الخطأ في فهمه، أو تنزيله من حيث العموم والخصوص، والنسخ والجمع وغير ذلك.
ومن ادعى أن الحديث قد يبلغهم فيعرضون عنه؛ فقد طعن فيهم أشد الطعن. ومن ادعى لهم العصمة -بلسان الحال أو المقال- في شيء من ذلك فقد وصفهم بما لا يرضون لأنفسهم أن يوصفوا به.
وهؤلاء الأئمة كانوا يزدرون أنفسهم، ويستقلون عملهم؛ تواضعًا لله، وهضمًا للنفس. وإنما يغلو في الأئمة، ويرفعهم فوق منزلتهم من كان على ضلالة عمياء، وهوىً مهلك كالرافضة ونحوهم.
(1) الزُّنَّار: حزام يشده النصراني على وسطه. المعجم الوسيط (1/417) .
(2) مناقب الشافعي للبيهقي (1/474) ، وحلية الأولياء لأبي نعيم (9/106) ، ومفتاح الجنة للسيوطي (268) ط: دار السلام. وانظر: مناقب الشافعي للرازي، وفي سائر هذه المراجع نصوص كثيرة نحو ذلك.