فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 79

وإن قلتم إن هذا الحكم ما لا مجال للاجتهاد فيه؛ بل هو من المعلومات الضرورية التي لا يعذر أحد بجهلها قلنا: ومن أين لهم أن يعرفوا ذلك؟ وإذا كان هذا من الضروري فهناك أمور أخرى كثيرة جدًّا أوضح وجوبًا منه، وأقرب للعقل، وأبعد عن الخلاف، ويلزمكم أن تلزموا هؤلاء جميعًا، بفهم تلك الضروريات واستيعابها، وإذا فهموها لم يكونوا حينئذ كما وصفتم؛ بل يلزمهم قبل ذلك وقبل الاجتهاد في أي مسألة؛ أن يتعلموا إن كانت من الضروري أو من غيره- وحينئذ فهم علماء مطلعون.

.أما الطرف الآخر:

فهو يرى التقليد فرضًا لازمًا في جميع العلم العملي لزومًا مطلقًا لجميع الناس بعد عصور الاجتهاد الأولى المفضلة، حتى ليصبح اتباع إمام من هؤلاء الأئمة بمنزلة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بل ويتعدى الأمر ذلك إلى التعصب الأعمى الممقوت.

وقد يلتمس هذا الملغي لما وهبه الله من العقل والعلم لتعصبه _ أدلة شرعية، ويجهد نفسه في ذلك ما لا يجهد نفسه في جلائل المسائل. واسمع إلى أحدهم يحمد الله الذي:"جبله على التعصب لمجتهد كان من قرون شهد النبي صلى الله عليه وسلم بخيرها وعدالتها!" (1) .

وحتى يصل الحال ببعضهم، إلى الزعم بأن كل نص خالف المذهب فهو إما منسوخ وإما مؤول!

فإن كان المتعصب حنفيًا: استدل على صحة تعصبه وتقليده بما صنع من الآثار في فضل أبي حنيفة، وعلو كعبه في الدين (2) .

(1) انظر: رسالة (الاتباع) للإمام الجليل ابن أبي العز الحنفي كلها وخاصة صفحتي (14،12) .

(2) وُضع في فضل أبي حنيفة رحمه الله الكثير من الأحاديث الموضوعة، وهو مما لا يرضاه أبو حنيفة، ولا أي عالم بالشرع، ومن تلك الأحاديث الموضوعة:"يكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي"، قال ابن الجوزي: موضوع، وقال علي القاري: موضوع باتفاق المحدثين. انظر الكشف الحثيث للطرابلسي (598) ، وكشف الخفا للعجلوني (53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت