فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 79

فإذا كان الأمر كذلك.. وطلبنا من الناس -كل الناس- الاجتهاد بالصورة التي ذكرها ابن حزم فسوف يجتهدون ثم يجتهدون.. غير مفرقين بين ما ثبت بصورة قطعية وما لم يثبت، وبين ما هو معلوم بالضرورة، وما كان ليس كذلك، وبين الأمور الاعتقادية المقررة بنصوص قطعية وغيرها...

ولعل هذا الرأي من الأقوال التي يقول فيها بعض العلماء: إن مجرد تصوره كافٍ في إبطاله!

-ومن نتائجه وآثاره زوال هيبة العالم وكرامته وفضله، فهو يستوي مع العبد المجلوب الغريب المشغول بشؤون سيده، ومع العذراء المخدرة الحيية، في أن الجميع يحرم عليهم التقليد ويجب عليهم الاجتهاد، ومن اجتهد منهم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.

-ولا يتصور أن جميع الخلق، سيتركون أعمالهم وحاجاتهم الدنيوية اللازمة لقوام حياتهم، من بيع وشراء، وحرفة وسفر، وأكل وشرب، ونكاح، وغيرها، ويتفرغون للتعلم، ثم للاجتهاد.. ولو حصل ذلك لتعطلت المنافع، وسارت الحياة إلى طريق الزوال.

وإذا كان ذلك كذلك -وهو كذلك- فمعناه أن هؤلاء القائلين بالاجتهاد مطلقًا سيضطرون الناس إلى حرج عظيم، نكتفي بإيراد نموذج منه فنقول: أرأيتم هؤلاء الذين ألزمتموهم بالاجتهاد -وهم ليسوا أهلًا له- وحرمتم عليهم التقليد -وهو لهم ضرورة لا مخلص منها- وجعلتموهم إن قلدوا عاصين آثمين أنَّى لهم أن يعرفوا صواب حكمكم هذا؟!

فإن قلتم لهم: فيه حق الاجتهاد، حتى يصلوا إليه؛ فإن الاحتمال القوي الذي تشهد له جميع الأدلة، أن هؤلاء يفضلون أن يقلدوا من عرفوا علمه وحفظه وفهمه وتفرغه لذلك، على أن يرجموا بالغيب، ويتكلفوا ما ليس لهم به علم، فنتيجة الاجتهاد الذي ألزمتموهم به جاءت مخالفة لما قررتموه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت