ويقف على رأس هذه الطائفة الإمام أبو محمد بن حزم الظاهري، ولعله من أصرح وأبين من أعرب عن هذا الاتجاه المغالي، فهو يقول:"فالتقليد حرام، على العبد المجلوب من بلده، والعامي، والعذراء المخدرة، والراعي في شعف الجبال، كما هو حرام على العالم المتبحر، ولا فرق."
والاجتهاد في طلب حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما خصّ المرء من دينه؛ لازم لكل من ذكرنا كلزومه للعالم المتبحر ولا فرق. فمن قلد من كل من ذكرنا فقد عصى الله عز وجل، وأثم" (1) ."
وقد أطال في تقرير هذه المسألة في العديد من كتبه، وذكر إجماع القرون الثلاثة المفضلة على المنع من أن يقصد إنسان إلى قول إنسان منهم فيأخذه كله (2) .
ولا شك أن هذا الرأي خطلٌ من القول، وأنه يترتب عليه من النتائج ما يفوق التصور، ومن ذلك:
-الفوضى التي لا تقف عند حد؛ إذ إن هذا الرأي لم يشترط حدًّا أدنى من المعرفة -مثلًا-؛ بل ألزم كل مسلم -كما سبق- بالاجتهاد، ولك أن تتصور مليون عقل، أو مئة مليون عقل، أو ألف مليون عقل، متفاوتة فيما بينها أشد التفاوت في كل شيء، وكلها تريد أن تبدأ من أول الطريق في الاجتهاد في جميع المسائل: أصولها وفروعها، في العبادات، وفي المعاملات، وفي سائر الأمور.
-اضمحلال الإسلام وزواله واندراس معالمه، فقد صح في النصوص والآثار الكثيرة أنه يقل العلم في آخر الزمان ويكثر الجهل، ويتعلق الناس بالدنيا، ويعرضون عن الدين إلى آخر ما ثبت من كثرة الفتن وتغير الزمان (3) .
(1) الإحكام في أصول الأحكام (6/1121، 1122) وفيه فصل طويل في التقليد وإبطاله يستغرق ما بين صفحتي (1036 و1151) .
(2) نقل ذلك الدهلوي في الإنصاف ص (97-99) ولم أستطع العثور عليه.
(3) ومن ذلك ما ثبت في صحيح البخاري (80) ، ومسلم (2671) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبُت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا".