ب- ومنها أنه نوع من استعجال البلاء قبل نزوله، وقصة سؤال الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زنا الزوجة، وما تلا ذلك برهان في ذلك (1) ، ففي رواية مسلم:"أن عويمرًا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت يا عاصم لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه؛ أم كيف يفعل؟، فسل لي عن ذلك - يا عاصم - رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم..." (2) .
وهذا ما يومئ إليه قول معاذ بن جبل رضي الله عنه:"يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله؛ فيذهب بكم هنا وهنا" (3) .
فالفأل الطيب محمود ممدوح، والشؤم والتشاؤم ممقوت مذموم.
جـ- وهي من أعظم براهين فقه الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وتسديد الله لهم بإيمانهم وصدقهم وصلاحهم؛ فإن القضية إذا وقعت اختلفت في كثير من جوانبها عن القضية المتخيلة المفترضة، والواقع دائمًا يعدل الفرضيات.
ولعله مما يخرج عن طوق البشر- مهما أوتوا من اليقظة والبصيرة، ومهما رصدوا من الأسباب والمقدمات- أن يتصوروا القضايا التي يفترضونها كما هي في واقع الحال دون أن يطرأ عليها زيادة أو نقص أو اختلاف! والمرء حين يجتهد في مسألة واقعة يكون مدركًا لها إدراكًا متعلقًا بالواقع، محيطًا بجميع جوانبها وأبعادها وتفاصيلها، عارفًا لملابساتها ووسائل الخلاص منها، فهو في هذه الحال واقف على أرض صلبة، يعرف مداخلها ومخارجها؛ ولذلك يقول الأصوليون:"الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره".
(1) قصة وردت من طرق متعددة، وانظر مجمل رواياتها في: البخاري في عشرة مواضع من صحيحه منها: (432، 4745، 4746) ، ومسلم (1492) من حديث سهل ابن سعد رضي الله عنه.
(2) انظر مسلم (1492) .
(3) أخرجه الدارمي (153) .