أ- فمنها أن الفتيا فيها غير لازمة -في الأصل-، فليست أمرًا واقعًا لا يمكن الإعراض عنه، وخاصة إذا لم يكن ثمة نص بيِّن لدى المسؤول. وحيث كان خيار هذه الأمة يتدافعون الفتيا ويتحرجون منها ويحذرونها؛ كان إعراضهم عن الافتراضات العقلية يمت بأقوى سبب إلى ذلك، ويتضح هذا من الكلمة التي عبر بها عمار رضي الله عنه وهي قوله:"تجشمناها"فالمسألة عويصة تحتاج إلى تجشم.
ومثله قول أبي بن كعب رضي الله عنه لمن سأله عن أمر لم يقع:"فأجِّلني حتى يكون، فنعالج أنفسنا حتى نخبرك" (1) . فالأمر إذًا يحتاج معالجة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"ومن ثم كره جماعة من السلف السؤال عما لم يقع؛ لما يتضمن من التكلف في الدين، والتنطع، والرجم بالظن، من غير ضرورة" (2) .
وذلك أن المسألة الواقعة تكون الفتيا فيها واجبة -وجوبًا عينيًا أو كفائيًا- بحسب اختلاف الأحوال، فيجتهد فيها من وجبت عليه الفتيا ما وسعه الاجتهاد، ثم هو -بعدُ- مأجورٌ أصاب أو أخطأ.
أما ما لم يقع، وليس إلى الوقوع بسبيل، ولا يترتب على الكلام فيه نتائج عملية؛ فالحزم والدين الإعراض عنه، خاصة إذا لم يكن ثم دليل، أو كانت الأدلة فيه ظاهرها التعارض، ولا مرجح لدى الباحث واضحًا.
(1) انظر الحالات السابقة.
(2) فتح الباري (11/307) .