(2) ومنها: إلزامات بعض المقلدين لأئمتهم بأقوال في مسائل لم تحدث في عصرهم، أو لم ينقل عنهم فيها قول؛ وإنما عن طريق القياس على آرائهم، أو البناء على ما يظن أنه من قواعدهم، أو استنباط نتيجة متوهمة من بعض أقوالهم، ثم إلزامهم بهذه النتيجة باعتبارها ثمرة لقولهم.
(3) ومنها: -بل من مهمّها- السؤال عما لم يكن، وطرحه ومناقشته، دون أن يكون حدوثه متوقعًا في القريب، ودون أن يترتب على معرفة الحكم فيه فائدة عملية؛ فالفقيه المسلم يشغل نفسه بمعالجة قضايا عصره، مطمئنًا إلى أن الله يقيض لهذا العلم من كل عصر من يحفظه على الناس، ويهديهم به بإذن ربهم.
وقد كان كثير من السلف يكرهون التوسع في الحديث، أو السؤال عما لم يقع. فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول لبعض سائليه:"لا تسأل عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن" (1) ، وقد ورد عن عمر نفسه رضي الله عنه قوله:"أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن؛ فإن الله قد بين ما هو كائن" (2) ، وحين سألوا عمار بن ياسر رضي الله عنه عن مسألة مفروضة قال:"دعونا حتى تكون؛ فإذا كانت تجشمناها (3) لكم!" (4) .
والآثار في ذلك عن الصحابة فمن بعدهم لا تحصى كثرة.
والسر في هذا التشديد -والله أعلم- يرجع إلى أمور لعل من المفيد الإشارة إلى بعضها:
(1) أخرجه الدارمي (121) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(2) أخرجه الدارمي (124) عن عمر رضي الله عنه.
(3) تجشم الأمر: تكلَّفه على مشقة المعجم الوسيط (1/129) .
(4) الدارمي (123) .