فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 79

وقد كان السلف يكرهون التنطع وينهون عنه، فابن مسعود رضي الله عنه يقول:"ألا وإياكم والتنطع، والتعمق، والبدع، وعليكم بالعتيق" (1) . وفي رواية عنه:"فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق!" (2) . وسيأتي نصوص أخرى في موضعها من هذه المسألة.

والتنطع المنهي عنه يأخذ صورًا شتى، منها:

(1) فمرض"الصور المستبعدة"التي من حقها ألا يتعرض لها عاقل، ولربما امتلأت بعض كتب المتأخرين بسقطات وهفوات من هذا القبيل، تظهر فيها المبالغة في الفرض البعيد أو المستحيل، وهذا يتيح لبعض المغرضين، أو الجاهلين؛ الطعن في هذه الكتب، جملة وتفصيلًا؛ بحجة أن ما فيها هو من هذا القبيل.

فمن اللازم للفقيه عدم التقحم في التنقيب عن الصور النادرة، التي يمنع العرف والعادة وقوعها، وإن كان وقوعها جائزًا عقلًا، وهذه كانت طريقة سلف هذه الأمة البعيدين عن التكلف، فعن ابن عون قال: قال القاسم:"إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها، وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها، وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي! ولو علمناها ما حل لنا أن نكتمكموها" (3) .

وحول حديث"النهي عن قيل وقال" (4) المتفق عليه ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تفسير بعض العلماء لذلك بأنه الإكثار من تفريع المسائل، ونقل عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال:"والله إني لأخشى أن يكون هذا الذي أنتم فيه من تفريع المسائل" (5) .

(1) أخرجه الدارمي (142) عن ابن مسعود رضي الله عنه.

(2) الدارمي (143) ، والطبراني في الكبير (8845) ، والمروزي في السنة (85) ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (108) ، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (45) ، وأورده الهيثمي في المجمع (1/126) وقال: أبو قلابة لم يسمع من ابن مسعود.

(3) أخرجه الدارمي (118) من طريق ابن عون عن القاسم ابن محمد.

(4) أخرجه البخاري (1477) ، ومسلم (593) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

(5) فتح الباري (11/307) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت