فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 79

والثانية: -وهي مكملة للأولى- أن يكون شديد الالتزام بالنص، ومن هنا يكون اعتداله، فالنصوص هي في حقيقتها التيسير، ولو كان ظاهرها في نظر البشر الضعيف، بخلاف ذلك.

ولذلك قال الله تعالى عقب الأمر بالجهاد فيه حق الجهاد: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78] . فمهما كلفنا الله من واجبات وفرائض؛ فهي في حقيقتها يسر لا حرج فيه، ولا تشديد.

ولا شك أن التيسير والاعتدال هو دأب العلماء المحققين، وأكمل الناس فيه هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ربَّاهم بمثل وصيته السابقة لمعاذ، وأبي موسى رضي الله عنهما؛ ولهذا قال عمر بن إسحاق:"لَمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قومًا أيسر سيرة، ولا أقل تشديدًا منهم" (1) .

ومن الصور الواقعية العملية للتيسير ما يلي:

(1) التوسعة على المسلمين فيما وسع الله عليهم به، فلا يحملهم بقوله، ولا بفعله؛ على ما فيه مشقة عليهم، إلا أن يكون فرضًا محتمًا.

ولا شك أن المشقة على المسلمين إذا لم يكن وراءها جلب مصلحة أو دفع مفسدة فهي محرمة؛ ولذلك فتغليب جانب المنع -دائمًا- باعتباره من باب الاحتياط، أو باعتباره خروجًا من الخلاف، أو ما شابهه؛ ليس قاعدة مطردة؛ بل وليس قاعدة أصلًا، وإنما هو ضرورة يلجأ إليها الباحث أو المفتي عند تعذر الترجيح العلمي المجرد.

(2) التخفيف على من وقع في المنهيات، وقارف بعض الكبائر أو الموبقات، ثم ندم، وخشي عليه من شدة البرم أو الضيق أو اليأس، فيُذكَّر بعميم رحمة الله، وسعة فضله، وثواب التائبين، وقد يُذكَّر بأن الخطأ والزلل جبلة بشرية؛ ولذلك ورد في الحديث:"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم" (2) .

(1) سنن الدارمي (126) من طريق ابن عون عن عمر بن إسحاق.

(2) أخرجه مسلم (2749) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت