إن الكاتب في هذه الموضوعات لابد أن يمتلك ميزانًا دقيقًا، لا يَزِل، ولا يطيش، وهذا الميزان إنما يكتسب بالخبرة والمراس، وعرك النتائج التي يتوصل إليها عركًا يبين معه ثبوتها على المحكّ، أو اهتزازها، مع الاستعداد التام لقبول الحق، والرجوع عما سواه، مهما كلف الأمر، ومع الرَّوية والأناة وطول البال.
كما يكتسب من معرفة أخطاء الآخرين، ومعرفة أسبابها، ليتجنبها الباحث، فلا يقع فيها ابتداء ولا متابعة.
وثمة ضوابط كثيرة، لها تعلق بشخصية الباحث من جهة، ولها تعلق بطريقة تناول الموضوع من جهة ثانية، أجملنا منها أهمها في الفصول التالية؛ لعلها أن تكون نافعة للدارس، موجهة لمنهجه في البحث.
الفصل الأول
بين التيسير والتشديد
من مزايا الشريعة الإسلامية: التيسير، والإسلام يُسْرٌ كله؛ لذلك أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما حين بعثهما إلى اليمن فقال:"يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا" (1) .
ومما لا شك فيه أن التيسير مسألة نسبية؛ ولذلك انقسم الناس فيه:
أ- فمنهم من يصل به زعم التيسير إلى التساهل، وتغليب جانب الإباحة على جانب الحظر، فيتسرع في الفتيا بتحليل ما حرم الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
ب- ومنهم من يغلب على طبعه التشديد والتغليظ والمنع، فيميل إلى جانب الحظر والتحريم -خاصة فيما يجد في حياة الناس- حتى يضيق على الناس الوسيع. وإذا كان هذا المسلك مقبولًا؛ من باب الزهد والورع والاحتياط؛ فإنه غير مقبول في باب الفقه والفتيا، ومن الصعب حمل الناس عليه.
وإن من سمة الباحث الذي ننشده، أن يكون جامعًا بين خصلتين:
أولاهما: الاعتدال والتوسط بين التشديد والتساهل.
(1) أخرجه البخاري (3038) ، ومسلم (1733) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.