وكثير من الشذوذات الفقهية، والبدع والأخطاء منشؤها جهل قائلها بلغة العرب، ومن الأمثلة الطريفة ما ذكره الإمام الشاطبي في كتابه الجليل"الاعتصام": زعم بعضهم أن"الصِّر"المذكور في قوله: (رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ) [آل عمران: 117] هو صَرَّار الليل (1) !، وزعم النظام أن من آلى بغير اسم"الله"لم يكن موليًا؛ لأن الإيلاء مشتق من اسم الله، وتفسير بعضهم قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالأنْسِ) [الأعراف: 179] . أنه بمعنى: ألقينا!، كأنه مشتق في قول العرب:"ذرته الريح"وذلك لا يجوز؛ لأن (ذَرَأْنَا) مهموز، و"ذرينا"غير مهموز.. ثم نقل الإمام الشاطبي قول الحسن رضي الله عنه:"إن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها؛ فيهلك". وقوله:"أهلكتكم العجمة؛ تتأولون القرآن على غير تأويله" (2) .
وبالجملة، فكل لفظ لم يرد في تفسيره نص عن الشارع؛ فمرده إلى لغة العرب.
ولا يعني هذا أن يتوغل الباحث في تشقيقات النحويين التي حالت دون فهم الكثيرين للنحو؛ بل يكفيه أن يدرس النحو دراسة عملية ميسرة.
.ويأتي -بعد النحو- علم"الأدب":
وهو ضروري للتمكن في حسن الصياغة، وجودة الأسلوب؛ فقد أصبح الناس لا يألفون العبارات الجامدة، والأساليب الجافة، ولابد من خلط الدراسة الفقهية الجادة الجافة برشحات من جمال الأسلوب، ورشاقة العبارة تحببها إلى الناس، وتجعلها في متناول الجميع.
ولا يخفى على المطلع ما للإمام الشافعي من أثر بارز في الفقه والأصول، وأن أحد أسباب بروزه ما ذكره هو عن نفسه حين قال:"درست الأدب عشرين عامًا، لأخدم الفقه!".
(1) صرَّار الليل: هو البئر الكثير الماء. لسان العرب (3/114، 4/455) .
(2) انظر هذا المبحث في كتاب: الاعتصام (1/237- 239) فصل في مآخذ أهل البدع في الاستدلال.