وبعض الباحثين -اليوم- يتناولون تلك الموضوعات على استحياء، وفي أعماقهم خضوع واستخذاء (1) للواقع يمنعهم من الانسياق وراء دلالات النصوص المجردة، ويعكر سلامة تلقيهم، ويجعلهم رهينة التأثر بالأوضاع القائمة المتعارف عليها.
وقلَّما تجد من يتحدث عن موضوعات: الربا، والحكم بغير ما أنزل الله، والتأمين، وعمل المرأة، ومشاركاتها السياسية،.. إلخ؛ إلا وتجده مستجيبًا لتزيين الواقع الذي لا يرى له مدفعًا.
والحق أننا مهما عجزنا عن تغيير هذا الواقع أو ذاك، أو الاستبدال به خيرًا منه؛ فإن هذا لا يبيح لنا"تبريره" (2) وتحسينه، واعتباره أمرًا مشروعًا، أو مباحًا؛ إذ إننا -بذلك- نضخم الانحراف ونزيده رسوخًا، وننقله من كونه انحرافًا طارئًا ينبغي أن تعمل الأجيال على تعديله؛ إلى وضع سليم لا شيء فيه، وهذا -بحد ذاته- انحراف قد يكون أخطر من الانحراف الأول.
ومن جراء التأثر بما يطلقه أعداء الإسلام من شبهات، والتأثر بالواقع المرير للأمة؛ نشأ في أوساط المسلمين مدرسة فكرية بدأت تتبلور ملامحها، وتحاول رسم أصولها وقواعدها، ودراسة بعض القضايا الجديدة على ضوء تلك الأصول، وهي ما يمكن أن نسميها بـ"المدرسة العقلانية"، والتي هي امتداد لخط المعتزلة في إطلاق الفكر، وتسليطه على النص، واعتبار العقل"حَكَمًا"ترد إليه النصوص المُحكمة!
(1) استخذاء: خضوع وانقياد. المعجم الوسيط (1/229) .
(2) يرى بعض الباحثين منع استعمال هذه الكلمة -لغة- ويستعمل عوضًا عنها كلمة"تسويغ".