أما من فعل شيئًا وهو لا يريد أن يتشبه بأحد، فلا يجوز عند العرب إطلاق معنى صيغة تفعّل عليه، فيقال: فلان يشبه فلانا، إن كان بينهما شبه لا يَدَ للآخر فيه، كأن يشابهه في وجهه، أو صوته، أو مشيته، ونحوه، بخلاف ما إذا تكلف مشابهته، فيقال: فلان يتشبه بفلان.
ولذلك إذا قيل في الحال الأولى: فلان يتشبه بفلان فقد كذب، إن لم يكن بإرادة الأول طلب وقصد التشبه بالثاني.
وإن قيل: فلان يتشبه بفلان بمشيته ولباسه وكلامه، فيصح قولك إن كان حقًا هو يريد هذه المشابهة، كالتلميذ التي يتعمد التشبه بشيخه لفرط الإعجاب به فيأكل مثله، ويمشي مثله، ويتكلم مثله، وربما ارتدى كردائه، والتفت كالتفاته.
تنبيه:
هذا التفريق من الناحية اللغوية حسن جدا، وتقتضيه قواعد العربية، إلا أن الشرع جعل مجرد المشابهة بالكفار والفساق والمبتدعة وغيرهم محرما، ولو لم يكن بتكلف، فلا يقال مثلا: إنه لا يحرم من التشبه بالكفار إلا ما كان مقصودا متكلَّفا، بل مجرد حصول مشابهة محرم.
ويدل لذلك الآتي:
أولا: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين، فقال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) [1] .
وفي لفظ فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: (بل أَحْرِقْهما) [2] .
ووجه الدلالة من الحديث: أن عبد الله رضي الله عنه لم يعلم بأنه يشبه لباس الكفار، وهو قطعا لم يقصد التشبه بهم، كما هو ظاهر الحال، ومع ذلك نهاه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يستفصل منه: أقصد التشبه بهم أم لم يقصد؟ فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره بحرقهما.
(1) أخرجه مسلم (3872) .
(2) أخرجه مسلم (3873) .