الصفحة 39 من 58

النهي عن التشبه بالناقصين من الآدميين فيما هو من خصائصهم، فالتشبه بالبهائم من باب أولى أن يكون مذموما ومنهيا عنه.

ثانيا: أن الله تعالى إنما شَبَّه الإنسان بالكلب والحمار ونحوهما في معرض الذم، كالآيات التي سبق ذكرها، فإذا كان التشبه بها مع عدم القصد مذموما، فالقاصد للتشبه بها أولى بالذم، إلا أنه يزيد الذم إذا كان التشبه بها في عين ما ذمه الشارع.

ثالثا: قوله (:(ليس لنا مثل السوء) [1] بعد ما ذكر مثل السوء في الكلب يقيء ثم يعود في قيئه لم يذكر النبي (هذا المثل إلا ليبين أن الإنسان إذا شابه الكلب كان مذموما، وإن لم يذم الكلب من جهة التكليف، فالتَّمثيل بالكلب مثل سوء، والمؤمن منزه من مثل السوء، فإذا شابه الكلب وتمثل به كان مذموما بقدر ما حصل من تشبه.

رابعا: جاءت الشريعة ببيان كون نهيق الحمار، واقتناء الكلاب مقارنة للشياطين ومنفرة للملائكة، في نحو قوله (:(إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة) [2] وقوله (:(إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا) [3] ومعلوم أن المشابه للشيء يتناول من أحكامه بقدر تلك المشابهة، فإنْ نَبَح الإنسانُ نَبْحَ الكلاب، أو نهيق الحمير كان في ذلك مقارنة للشياطين وتنفير الملائكة بحسبه، ومثل هذا لا يباح إلا لضرورة؛ ولذلك لم يبح اقتناء الكلاب إلا لضرورة جلب المنفعة كالصيد، أو رفع مضرة عن الماشية والحرث.

خامسا: أن النبي (لعن المتشبهين والمتشبهات من النساء بالرجال حيث خلق الله كل نوع منهما، وجعل صلاحه وكماله، إما في أمر مشترك بينهما، أو أمر مختص به، فأما المشترك فلم يقع فيه النهي، وإنما وقع النهي في الأمور المختصة، فلا يجوز لأحد الجنسين التشبه بالآخر فيما هو مختص به، فإذا لم يجز ذلك بين الآدميين فالتشبه بالبهائم في خصائصها أولى بالمنع، بل لا يجوز له أن يتشبه بالبهائم في الأمور المشتركة بينهما، كالأكل والشرب والصوت والحركة والنكاح، فمع كون كل هذه الأشياء مشتركة، إلا أن لكل من

(1) أخرجه البخاري (3322) ، ومسلم (2106) عن ابن عباس رضي الله عنهما0

(2) أخرجه البخاري (3225) ، ومسلم (2106) عن أبي طلحة (0

(3) أخرجه البخاري (3303) ، ومسلم (2729) عن أبي هريرة (0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت