أما ما كان مشتركا بين المسلمين وغيرهم فلا يقع فيه التشبه، حتَّى وإن كان الكافر في الأصل هو الذي صنعه، وبدأ عنده أولا، فلا يعد لابسه متشبها بالكافر، مادام اللباس قد انتشر وشاع عند الكافر وغيره، حتَّى لم يَعُدْ علامةً عليه.
وعلى هذا يحمل لبس النبي الجبة الرومية من أزياء الروم، والطيالسية الكسروية من أزياء المجوس، ويدلُّ لهذا الضابط قوله صلى الله عليه وسلم:"إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها" [1] أي: الخاصة بهم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يشتمل اشتمال اليهود) [2] ، أي: الخاص بهم.
وعليه فما زال عن كونه شعارا للكفار جاز فعله ما لم يكن مُحرَّما لعينه؛ والسبب أن التمايز بين المسلمين والكفار يزول بزوال الاختصاص، فلا يتأتى التشبه حينئذٍ.
وقد أورد ابن حجر حديث أنس رضي الله عنه أنه رأى قوما عليهم الطيالسة، فقال: كأنهم يهود خيبر.
فقال ابن حجر:"إنما يصلح الاستدلال بقصة اليهود في الوقت الذي تكون فيه الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك فيما بعد، فصار داخلا في عموم المباح" [3] .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن مقياس التشبُّه بالكفار؟
فأجاب بقوله:"مقياس التشبه أن يفعل المتشبِّه ما يختص به المتشبَّه به، فالتشبُّه بالكفار أن يفعلَ المسلم شيئًا من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز له الكفار فإنه لا يكون تشبُّهًا، فلا يكون حرامًا من أجل أنَّه تشبَّه، إلاَّ أن يكون محرَّمًا من جهة أخرى."
وقد صرَّح بمثله صاحب الفتح حيث قال: (وقد كره بعض السلف لبس البرنس؛ لأنَّهُ كان من لباسِ الرهبانِ، وقد سئل مالكٌ عنه فقال: لا بأس به، قيل: فإنَّهُ من لبوس النصارى! قال: كان يلبس ههنا) [4] .
(1) سبق تخريجه (8) .
(2) أخرجه أحمد2/ 148، وأبو داود (540) ، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/ 77.
(3) فتح الباري 1/ 275. ط. دار المعرفة.
(4) مصدر سابق 10/ 272.