الصفحة 10 من 58

المطلب الثاني: الحكمة من النهي عن التشبه

لما كان أعظم وأخطر التشبه المنهي عنه هو التشبه بالكفار، كان من المناسب بيان ما يظهر من كون الشرع الحكيم جعله سببا في التحريم، ويمكن أن يكون مناطا للحكم، وهذا بحسب النظر يتمثل في أمور خمسة:

1 -أن المشابهة لهم في الظاهر تورث تشبهًا بهم في الباطن يقود إلى موافقتهم في الأخلاق والأعمال، والمخالفة لهم في الظاهر توجب مخالفتهم في الباطن.

2 -أن في النهي عن التشبه بالكفار محافظة على سيادة الأمة وتفردها وكمالها؛ لأن تقليدها لغيرها من الأمم منافٍ لذلك بلا شك.

3 -أن أعمال الكفار التي ينفردون بها لا تسلم من النقص والخلل، فترك التشبه بهم سلامة مما يصاحب أعمالهم من النقص والخلل.

4 -أن في ترك التشبه بهم تحقيقا لمعنى البراء منهم، وبغضهم في الله تعالى، وشريعة الإسلام جاءت بمعاداة الكفار وبغضهم ولو كانوا إخوانا من النسب أو من العشيرة.

5 -أن ترك التشبه بهم يفضي إلى تميز الكفار من المسلمين ليُعرفوا، إذ لهم أعمال خاصة وألبسة خاصة وعادات خاصة، فلا يلتبس أمرهم على الناس فيخدع بهم من لا يعرفهم [1] .

ومع كلمات نيرات لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في التشبه بالكفار نجد فيها شاهدًا لما نحن بصدده.

قال رحمه الله:"إن الله جبل ابن آدم بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم, ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه؛ ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل, وصارت السكينة في أهل الغنم, وصار الجمَّالون والبغَّالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال وكذلك الكلاَّبون, وصار الحيوان الإنسي فيه من أخلاق الناس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة."

(1) التشبه المنهي عنه (166 - 170) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت