وانبجاسا وان كان الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه بقلة، (50) ، ملائمة لسياق كل منهما، فان ذلك لايمنع من انسجام الصيغة مع المطلب المراد وهو الامتثال والطواعية.
وفي مجال آخر، أي مجال التحويل والقدرة ياتي توظيف الصيغة لبيان قبول فاعل الفعل الاثر المترتب في الحدث، قال تعالى: (( فاوحينا الى موسى ان اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) ) (الشعراء:63) والانفلاق انشقاق الشيء وبينونة بعضه عن بعض (51)
استعمل بهذا التعبير للدلالة على طواعية البحر وتأثره بهذا الانشقاق العظيم، وفي النص محذوف تقديره فضرب فانفلق، وفي هذا الحذف إشارة إلى سرعة امتثاله له عليه السلام، وإنما أمر عليه السلام بالضرب فضرب وترتب الانفلاق عليه إعظامًا لموسى عليه السلام بجعل هذه الآية العظيمة مترتبة على فعله ولو شاء عز وجل لفلقه بدون ضربه بالعصا، (52) .وبذلك تتكثف الدلالة بملازمة قرينيتين هما اعتماد صيغة المطاوعة من اجل الامتثال الكامل، والايجاز في الكلام بوساطة الخذف اسراعا في تحقيق المطلب واكماله على اتم وجه. ولعلها خصيصة اسلوبية تضاف الى ظاهرة الاستغناء عن الفاعل واسلوب الشرط الملازمين لصيغة انفعل في التعبير القرآني. وفي مجال النكوص والتردد ايضا توظف صيغة (انفعل) للدلالة على امر عظيم يتطلب ذلك التوظيف، ففي تراجع الناس وانقلابهم عن الدين الذي جاء به رسول الله (ص) ، ياتي ذكر هذه الصيغة، قال تعالى: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) )، (ال عمران:144 ) ) ، فانقلبتم من القلب وهو تَحْويلُ الشيءِ عن وجهه، قَلَبه يَقْلِبُه قَلْبًا ... وقد انْقَلَب وقَلَبَ الشيءَ وقَلَّبه حَوَّله ظَهْرًا لبَطْنٍ وتَقَلَّبَ الشيءُ ظهرًا لبَطْنٍ كالحَيَّةِ تَتَقَلَّبُ على الرَّمْضاءِ وقَلَبْتُ الشيءَ فانْقَلَبَ أَي انْكَبَّ وقَلَّبْتُه بيدي تَقْلِيبًا وكلام مَقْلوبٌ وقد قَلَبْتُه فانْقَلَب وقَلَّبْتُه فَتَقَلَّب، والقَلْبُ أَيضًا صَرْفُكَ إِنْسانًا تَقْلِبُه عن وَجْهه الذي يُريده وقَلَّبَ الأُمورَ بَحَثَها ونَظَر في عَواقبها. (53) .
ومعنى"انقلبتم على أعقابكم"أي ارتددتم كفارا بعد إيمانكم، لان الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في القبح، والتنكيل، بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى. (54) . قال الألوسي: (( واستشكل بأن القوم لم يرتدوا فكيف عبر بالانقلاب على الأعقاب المتبادر منه ذلك؟ وأجيب بأنه ليس المراد ارتدادًا حقيقة، وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامهم إياه للهلك، وقيل: الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي لا إنكار لما وقع، وقيل: هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته صلى الله عليه وسلم وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به. ) ) (55) ، وهو في النهاية معنى استلزم توظيف المطاوع له من القبول أي الفعل انقلب من دون غيره، لاثبات عظمة هذا الحدث وما فيه من آثار أوجبت هذا التوظيف مقصدا يراد من خلاله انتاج هذه الدلالة.
وفي مجال الكف والانتهاء، وفرض الالتزام والطواعية لاوامر الله سبحانه وتعالى، يرى استعمال صيغة انفعل، قال تعالى: (( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) (التوبة:5) ، والسلخ هو في الأصل استعارة من سلخ جلد الحيوان، أي إزالته. ثم شاع هذا الإطلاق حتى صار حقيقة، وانسلاخ الأشهر انقضاؤها وتمامها وهو مطاوع سلخ، (56) ، وهو اسم لانفصال الشيء عن مكانه المعين، فجعل أيضًا اسمًا لانفصاله عن زمانه المعين، لما بين المكان والزمان من المناسبة التامة الشديدة. (57) . المراد من توظيفه بيان حكمه سبحانه في المشركين بعد انقضاء المدة فقال: (( فإذا انسلخ الأشهر الحرم قيل هي الأشهر الحرم المعروفة ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب ثلاثة سرد و واحد فرد عن جماعة و قيل هي الأشهر الأربعة التي حرم القتال فيها و جعل الله للمشركين أن يسيحوا في الأرض آمنين على ما ذكرناه من اختلاف المفسرين فيها و على هذا فمنهم من قال معناه فإذا انسلخ الأشهر بانسلاخ المحرم، لأن المشركين من كان منهم لهم عهد أمهلوا أربعة أشهر من حين نزلت براءة و نزلت في شوال و من لا عهد لهم فأجلهم من