ينتصران؟ فيكون الأمر عسيرًا، فيكون كأنه قال: فإذا انشقت السماء يكون الأمر عسيرًا في غاية العسر، ويحتمل أن يقال: فإذا انشقت السماء يلقى المرء فعله ويحاسب حسابه كما قال تعالى: (( إِذَا السماء انشقت ) ) [الانشقاق: 1] إلى أن قال: (( يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبّكَ كَدْحًا فملاقيه [الانشقاق: 6] الآية.
الرابع: ما المعنى من الانشقاق؟ نقول أمّا مايخصص الانشقاق فحقيقته ذوبانها وخرابها كما قال تعالى:
(( يَوْمَ نَطْوِي السماء ) ) [الانبياء: 104] إشارة إلى خرابها ويحتمل أن يقال: انشقت بالغمام كما قال تعالى: (( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام ) ) [الفرقان: 25] وفيه وجوه منها أن قوله: (( بالغمام ) )أي مع الغمام فيكون مثل ما ذكرنا ههنا من الانفطار والخراب.
اما قوله تعالى: (( اذا السماء انشقت ) )، فقد قدّم الاسم على الفعل وهو فاعل لمضمر مرفوع يقوم على تقدير الفعل (فاذا انشقت السماء انشقت) وهو امر يقوم على تفخيم الحدث حيث التكرار للفعل والبدء بذكر ذلك الحدث أي الانشقاق، فضلا عن المناسبة بين السورة التي حملت اسم سورة الانشقاق وبدايتها. قال الزمخشري في قوله تعالى: (( اذا السماء انشقت ) )انها فعلت في انقيادها لله حين اراد انشقاقها فعل المطاوع الذي اذا ورد عليه الامر من جهة المطاع انصت له واذعن وانه لم ياب ولم يمتنع )) (45) .
وهو معنى افيد من الصيغة (انفعل) وتضافرها مع قرائن السياق. وبذلك يكون التعبير في هذه الاية أقوى من الأولى نتيجة لطبيعة المقام الذي فرض هذا الذكر، قال الزركشي: (( ان الشيء اذا اضمر ثم فسر كان افخم اذا لم يتقدم اضماره ) ) (46) .ومثل ذلك قوله تعالى: (( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا(مريم:88، 90) (( فالكلام هنا جار على المبالغة في التهويل من فظاعة هذا القول بحيث إنه يبلغ إلى الجمادات العظيمة فيُغيّر كيانها ) ) (47) ، حيث السموات تتفطر والارض تنشق، وهو في نهايته امر ذو دلالة على استجابة ذلك الكون وطواعيته وتاثره بكلمة الله تعالى له (كن) فاذا السماء انفطرت وانشقت، واذا الكواكب انتثرت، واذا النجوم انكدرت، واذا عقد الكون كله قد انفرط في لحظة واحدة طواعية لامر الله تعالى. (48) . أي ان الاستعداد الذاتي والانفعال الكلي متحقق في الامتثال والطاعة الكاملة لاوامر الله سبحانه. وتلمح الدكتورة عائشة عبد الرحمن ظاهرة اسلوبية في التعبير بصيغ المطاوعة هي ظاهرة الاستغناء عن الفاعل، ولاسيما في مشاهد القيامة، تقول: (( فما سر ظاهرة الاستغناء عن ذكر الفاعل في احداث القيامة؟ يهدينا البيان القرآني، الى ان اساليب البناء للمجهول، والمطاوعة، والاسناد المجازي، تلتقي جميعا في الاستغناء عن ذكر الفاعل، وان كان لكل اسلوب منها ملحظه البياني الخاص، يجلوه استقراء مواضعه في الكتاب المحكم، اطراد هذه الظاهرة في موقف البعث والقيامة، ينبه الى اسرار بيانية وراء ضوابط الصنعة البلاغية، واجراءات الاعراب الشكلية، فبناء الفاعل للمجهول، فيه تركيز الاهتمام على الحدث، بصرف النظر عن محدثه، والمطاوعة فيها بيان للطواعية، التي يتم بها الحدث تلقائيا او على وجه التسخير، وكانه ليس في حاجة الى فاعل، والاسناد المجازي يعطي المسند اليه فاعلية محققة يستغنى بها عن ذكر الفاعل الاصلي ) ) (49) . الذي يهمنا من ذلك هو التوظيف الصيغي في تلك المشاهد الكونية، اذ انه قد جاء للدلالة على تعظيم الخالق جل وعلا حيث امتثال الجمادات لامره من جانب وردع الانسان المعاند ولفته الى حقيقة الاخرة وهول مايحدث فيها من جانب آخر. على أنّ الايات العظيمة التي تحملها تلك المشاهد من الانفطار والانشقاق والانتثار والانكدار اكثر تاثيرا في الانسان، قال تعالى: (( سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) ) (فصلت: 53) . وفي سياق آيتين متشابهتين تستعمل صيغة (انفعل) بما يناسب الامتثال والطواعية، للدلالة على التفريق، بفارق التعبير والاختيار الدلالي المقصود بين الايتين، قال تعالى: (( فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) ) (البقرة:60) ، وقال تعالى: (( ان اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ) ) (الاعراف:160) ، فالانفجار والانبجاس جاء امتثالا لرغبة الفاعل، ومن ثم الحدوث بهذه الهيأة من الحجر انفجارا