الصفحة 5 من 10

(الانفطار:2) ، فالسماء انفطرت أي انشقت وتقطعت واذا الكواكب انتثرت، أي تساقطت وتهافتت، قال بعض المفسرين سقطت سودا لاضوء لها (41) . وفي كلتا الآيتين يتضح قبول تاثير السماء والكواكب لفعل الانفطار والانتثار، وهو حدوث ذاتي تم بحصول فعل داخلي لا بمؤثر خارجي، أي أنها خضعت لذلك الفعل بارادتها كناية عن لازم الطواعية والانابة، بخلاف مالو قيل (اذا السماء فُطرت) و (اذا الكواكب نثرت) فيفهم ان فاطرا قد فطرها، وناثرا قد نثرها، أي ان الفطر والنثر حصل بمؤثر خارجي، لذا اختير مايناسب المعنى ويكمل المقصد فاستعمل (انفطر، وانتثر) .

يقول سيد قطب: (( ان هذه السورة تتجه الى مجالات خاصة بها تطوف بالقلب البشرى فيها، والى لمسات وإيقاعات من لون جديد، هاديء عميق، ولمسات كانها عتاب وان كان في طياته وعيد، ومن ثم فانها تختصر في مشاهد الانقلاب،،فلا تكون هي طابع السورة الغالب، لان جو العتاب اهدأ، وايقاع العتاب ابطأ، وكذلك ايقاع السورة الموسيقي، فهو يحمل هذا الطابع، فيتم التناسق، في شخصية السورة، والتوافق. ) ) (42) . وفي قوله تعالى: (( اذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ) ) (الرحمن: 37) ، وقوله: (( اذا السماء انشقت ) ) (الانشقاق:1) ثمة ملحظ بياني تظهر فيه صيغة (انفعل) دالة على المطاوعة في تسخير المخلوقات لامر الله، وهي السماء في هذا الموضع، بفارق الملمح الدلالي بين النصين، ففي آية الرحمن اظهر الفعل (انشقت) اولا ثم فاعله تركيزا على الحدث المتمثل في ذلك المظهر. قال الرازي هذه الآية: (( اشارة الى ماهو اعظم من ارسال الشواظ على الانس والجن فكأنه تعالى ذكر اولا مايخاف منه الانسان ثم ذكر مايخاف منه كل واحد ممن له ادراك من الجن والإنس

والملك حيث تخلو اماكنهم بالشق ومساكن الجن والانس بالخراب، ويحتمل ان يقال انه تعالى لما قال: (( كل من عليها فان ) ) (الرحمن:26)

اشارة الى سكان الارض، قال بعد ذلك، (فاذا انشقت السماء) بيانا لحال سكان السماء. (43) .

والملفت للنظر في استعمال صيغة (انفعل) هو تضامها في كثير من المشاهد الكونية مع (إذا) وهي بنية متعددة الدلالة لاتكشف إلا من خلال سياقها ففي قوله تعالى السابق، وقف عندها الرازي (44) محللا ومرجحا اذ ذكر ان (إذا) قد تستعمل لمجرد الظرف وقد تستعمل للشرط وقد تستعمل للمفاجأة وإن كانت في أوجهها ظرفًا لكن بينها فرقًا.

فالأول: مثل قوله تعالى: {واليل إِذَا يغشى * والنهار إِذَا تجلى} [الليل: 1، 2] والثاني: مثل قوله: إذا أكرمتني أكرمك ومن هذا الباب قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله} [آل عمران: 159] وفي الأول لا بد وأن يكون الفعل في الوقت المذكور متصلًا به وفي الثاني لا يلزم ذلك. والسؤال على أي وجه استعمل (إذا) ههنا؟ نقول: يحتمل وجهين أحدهما: الظرفية المجردة على أن الفاء للتعقيب الزماني، فإن قوله: {فَإِذَا انشقت السماء} بيان لوقت العذاب، كأنه قال: إذا انشقت السماء يكون العذاب أي بعد إرسال الشواظ، وعند انشقاق السماء يكون الحساب الشديد.

والثاني: الشرطية وذلك على الوجه الثالث وهو قولنا: {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} عند إرسال الشواظ فكيف تنتصران إذا انشقت السماء، كأنه قال: إذا انشقت السماء فلا تتوقعوا الانتصار أصلًا، وأما الحمل على المفاجأة على أن يقال: يرسل عليكما شواظ فإذا السماء قد انشقت، فبعيد ولا يحمل ذلك إلا على الوجه الثاني من أن الفاء للتعقيب الذهني.

والثالث: ما المختار من الأوجه؟ نقول: الشرطية وحينئذ له وجهان أحدهما: أن يكون الجزاء محذوفًا رأسًا ليفرض السامع بعده كل هائل، كما يقول القائل: إذا غضب السلطان على فلان لا يدري أحد ماذا يفعله، ثم ربما يسكت عند قوله إذا غضب السلطان متعجبًا آتيًا بقرينة دالة على تهويل الأمر، ليذهب السامع مع كل مذهب، ويقول: كأنه إذا غضب السلطان يقتل ويقول الآخر: إذا غضب السلطان ينهب ويقول الآخر غير ذلك وثانيهما: ما بينا من بيان عدم الانتصار ويؤيد هذا قوله تعالى: (( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام ) )إلى أن قال تعالى: (( وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الكافرين عَسِيرًا ) ) [الفرقان: 25، 26] فكأنه تعالى قال: إذا أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس فلا ينتصران، فإذا انشقت السماء كيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت