الصفحة 4 من 10

وفي كل الاحوال لايمكن التسليم بانهما ذو دلالة واحدة، فالعربية لها صيغة اخرى هي صيغة (فُعل) والعربية تميل الى التخصيص فلا تجعل صيغتين بمعنى واحد كما هو واضح في استعمالاتها، وقد خصت كل صيغة باستعمال ومعنى، الا ترى انه يمكن ان يكتفى بالفعل اللازم المبني للمجهول والجار والمجرور، فيقال (جُلس في الحديقة) و (ذهُب الى خالد) ، ولايمكن ان يستعمل نحو هذا الاستعمال في (انفعل) مما يدل على اختلاف بينهما، ففي (فُعل) دافع خارجي بخلاف (انفعل) الذي يبدو فيه الفعل كانه حصل ذاتيا، فالفرق واضح بين اندفع اليه، ودفُع اليه، وانفصل وفُصل، وانشطر وشُطر، وانقسم وقُسم (28) ،وهو ماحدا بالدكتور مصطفى جواد ان يسميها بالافعال الذاتية (29) .

واذا مااريد الكشف عن دلالات استعمالها، فسيلحظ بوضوح معنى الاستجابة والقبول الذاتي او الطواعية للفاعل كما سماها اللغويون، مثال ذلك قوله تعالى: (( كذبت ثمود بطغواها، اذ انبعث اشقاها ) ) (الشمس: 12) ، فمجيء انبعث على وزن انفعل دون غيره له مقصدية دلالية في التعبير القراني، اذ لم يقل بُعث وانما انبعث، والانبعاث يعني اذا ثار الانسان ومضى ذاهبا لقضاء حاجته (30) ، بشكل مندفع ومسرع (31) ،وهذا هي حال اشقى ثمود اذ استجاب مسرعا لهوى نفسه في اطفاء اية لله المتمثلة بالناقة (( أي انه تحركت داعيته وقوي عزمه على العقر ) ) (32)

،ولعل هذا المعنى ينسجم مع دلالة الصيغة (( التي تسند للفاعل الذي ينفعل للحدث بسرعة وطواعية لحظة البدء فيه ) ) (33) .

ومثل ذلك قوله تعالى: (( فوجدا جدارا يريد ان ينقض فاقامه ) ) (الكهف:77) ، قال الزمخشري: (( وانقض اذا اسرع سقوطه من انقضاض الطائر وهو انفعل مطاوع قضضته ) ) (34) ، عبر عن اشرافه على الانقضاض بارادة الانقضاض على طريق الاستعارة المصرحة التبعية بتشبيه قرب انقضاضه بارادة من يعقل فعل شيء فهو يوشك ان يفعله حيث اراده، لان الارادة طلب النفس حصول شيء وميل القلب اليه (35) ،، وبذلك تكون المطاوعة مناسبة اتم المناسبة لسياقها، حيث استجابة الجدار للانقضاض. اي قبول تاثير الفاعل باثر الفعل الواقع عليه.

وقد غلب مجيء هذه الصيغة في المشاهد الكونية، قال تعالى: (( واذا النجوم انكدرت ) ) (التكوير: 2) ، وهي من الايات التي تخص يوم القيامة وتنص على ذكر بعض اشراطها وما يكشف منها وما يقع فيها للانسان وما عمله من عمل (36) ، جاء التعبير فيها بلفظ الانكدار وهو انقلاب الشيء حتى يصير الاعلى الاسفل، بما لو كان ماء لتكدر، وقيل اصل الانكدار الانصباب (37) ، او السقوط والتناثر، اشتق من الكدورة وهي السواد والظلام، (38) .

وردت في القرآن بصيغة (انفعل) ، بما فيها من مطاوعة وقبول الاثر في الفاعل، للدلالة على قابلية المخلوقات المطلقة واستجابتها لامر الله سبحانه وتعالى من جانب، واظهار مسلك التنبيه والتحذير او التهويل في نفس المتلقي المعاند او المبتعد عن التصديق بآيات الله من جانب آخر، ولاسيما ان هذه الآية من السور المكية، والمجتمع المكي لم يكن بالمستوى العقيدي المتكامل لتقبل آيات الله.

والدليل على القصد في اظهار مسلك التهويل والتحذير، ان الايات الحاضنة لهذا التوظيف، جاءت باشارات قصيرة مثيرة ومرعبة لما سيجري لنهاية العالم المذهلة بداية يوم القيامة، فتنقل الانسان في فكره واحاسيسه الى مفاجآت ذلك اليوم الرهيب (39) ، والايجاز في الخطاب أي قِصَر

العبارات هي من سمات الخطاب المكي، لذا توخى التعبير القرآني القصدية الدلالية المتكاملة في ابراز ذلك التاثير المخيف. فعن الربيع بن انس عن أبي العالية، قال: (( ست آيات قبل يوم القيامة، فبينا الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم ووقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت ففزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض ) ) (40) . وهي قرائن تضافرت بكاملها مع التوظيف الصيغي لإنتاج الدلالة المرداة.

ومثل ذلك قوله تعالى: (( اذا السماء انفطرت ) ) (الانفطار:1) ،وقوله: (( وإذا الكواكب انتثرت ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت