الصفحة 3 من 10

ولم تسلم هذه المطاوعة القياسية من الجدل والانكار، فقد رفضها بعض الدارسين جملة وتفصيلا، قال الدكتور مصطفى جواد: (( واما انفعل وماجرى مجراه من الافعال المزعوم انها للمطاوعة فهي في الحقيقة لرغبة الفاعل في الفعل او ميله الطبيعي او شبه ميله اليه من غير تاثير من الخارج

وقد لايقتصر الفعل على المتعدي ولا يكون له صلة بالثلاثي احيانا مثل، انكدر (( واذا النجوم انكدرت ) ) (التكوير:2) ومعنى انكدرت انقضت ومعنى الانكدار الاسراع والانقضاض ولاثلاثي له )) (16) ، واضاف، والصحيح انه ليس في اللغة العربية اوزان للمطاوعة ولا اثر للمطاوعة في هذه الاوزان التي ذكروها وقد قام الخيال الصرفي في هذه المسالة بدور كبير، ونحن لم نجد عربيا فصيحا استعمل في كلامه (كسرت العود فانكسر) ولاامثالها ولاحطمته فتحطم، فالعرب كانت تكتفي بان تقول كسرت العود وحطمته، وصورة الفعل تدل على نتيجته، واذا ارادت ان تطوي الفاعل، قالت كسر العود وحطم. (17) ، وهو رأي سديد فليس كل مااتى من هذه الزنة كان بالضرورة مطاوعا لفعل متعد ثلاثي بل ليس كل متعد ثلاثي ذو علاج مطاوع من انفعل فانت تقول داسه ولا تقول انداس وتقول صربه وجرحه وذبحه ولاتقول انضرب وانجرح وانذبح ولابد للقياس من ضابط مانع جامع. (18) . فقد جاء انفعل لغير المطاوعة نحو انسلخ الشهر وانكدرت النجوم أي تناثرت. (19) . وهذا مايميل اليه الباحث ايضا. ولاتقتصر المطاوعة على انفعل وحدها بل تشمل الافعال التي لاتتعدى الى مفعول لانها اخبار عما تريده من فاعلها (20) ،وان كانت انفعل امّ الباب فقد يستغنى عنها بغيرها أي بلفظ آخر، او باستعمال صيغة (افتعل) . قال سيبويه: (( الباب في المطاوعة انفعل، وافتعل قليل، نحو جمعته فاجتمع، ومزجته فامتزج ) ) (21) ، واضاف المبرد اذا كان الفعل بغير زيادة فمطاوعة يقع على انفعل، وقد يدخل عليه افتعل الا ان الباب (انفعل) ، وذلك قولك كسرته فانكسر، فان المعنى اردت كسره فبلغت منه ارادتي وكذلك قطعته فانقطع .. ودفعته فاندفع. (22) .

ولعل السبب في عدها أُمّ الباب هو ان النون علامة المطاوعة فيها ولايمكن الاستغناء عنها بغيرها مقارنة باخواتها من الصيغ، ألا في بعض الحالات، أمّا أشكال الاستغناء عنها فربما يستغنى عن انفعل في هذا الباب فلم يستعمل وذلك قولهم طردته فذهب، ولايقولون انطرد ولا فأطرد كما استغنوا بترك عن ودع، يعني انهم استغنوا عن لفظه بلفظ غيره اذا كان في معناه (23) .

ويكثر اغناء افتعل عن انفعل في مطاوعة ما فاؤه لام او راء او واو او نون او ميم، نحو لأمت الجرح أي اصلحته فالتأم، ولاتقول انلأم، وكذا رميت به فأرتمى ولاتقول انرمى، ووصلته فأتصل لاانوصل، وجاء امتحى وامحى، وذلك لان هذه الحروف مما تدغم النون الساكنة فيها ونون انفعل علامة المطاوعة فيها فكره طمسها، واما تاء (افتعل) في نحو ادكروا طلب، فلما لم يختص بمعنى من المعاني كنون انفعل صارت كانها ليست بعلامة، اذ حق العلامة الاختصاص. (24) . وسمع مزته فأماز والاصل انماز فقلبت النون ميما فادغمت فيه، وقد يستغنون عنه به في غير ذلك كاستتر واستد وقد يتشاركان في غير ذلك كحجبت الشيء فانحجب واحتجب. (25) . ولعل هذا الاستغناء مرده مخافة الوقوع في اللبس من جانب وطلب الخفة من جانب آخر.

ـ فُعل وانفعل: يرى بعض الدارسين ان انفعل في حقيقتها ماهي الا صورة للفعل المبني للمجهول، ولعل مرجعية هذا القول تستند الى جذور هذه الصيغة في اللغات السامية، اذ استعملتها للتعبير عن المبني للمجهول، يرى الدكتور فاضل السامرائي: (( ان قسما من اللغات السامية استعملت(انفعل) للمبني للمجهول )) (26) ، وللمستشرق براجشتراسر رأي آخر يتلمس منه وجود هذه الصيغة في اللغات السامية من دون النص على انها مما يبنى للمجهول او غير ذلك يقول: (( واما ابنية الفعل .. .. فنراها في بعض اللغات السامية وبالاخص في الاكدية، فهي كثيرة تتركب علاماتها من تشديد العين، وتاء التفعل، ونون الانفعال وغيرها مع بعضها تركبا لاحد له ) ) (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت