و من الوان ذلك المبنى ذي الزيادة والثراء اللغوي على مستوى اللفظ والمعنى، وقف البحث على صيغة (انفعل) ومافيها من تكثيف على هذين المستويين، فعلى المستوى الاول أي المبنى سيلحظ البحث اهم المحاور التي اكتنفت تلك الصيغة وما فيها من مداخل متنوعة. وعلى المستوى الثاني أي المعنى ستُستنطق الشواهد الحاضنة لتلك الصيغة في التعبير القرآني.
ـ اشتقاق الصيغة: يقسم الفعل الثلاثي الى مجرد ومزيد، والمزيد على ثلاثة أنواع، مزيد بحرف ومزيد بحرفين، ومزيد بثلاثة احرف، انفعل تقع من ضمن المزيد بحرفين، بوساطة الوحدة الصرفية مورفيم الهمزة والنون تكثيرًا لاستيعاب الالفاظ التي يمكن ان تحتويها هذه الصيغة، بوصفها قالب تصب فيه الالفاظ، وتكثيفا للمعنى الذي تأتي فيه الكلمة على هذا الوزن من دون غيره. ذكر الدكتور عبد الصبور شاهين: (( ان الصيغ المزيدة بحرف اكثر شيوعا من المزيدة يحرفين، وهذه اكثر شيوعا من المزيدة بثلاثة احرف ) ) (2) من دون ان يذكر سندًا في اثبات ذلك، ولعل مرجعه في ذلك باب الخفة في الاستعمال عند العرب، وهذا فيه نظر اذ ليس كل الالفاظ القليلة الاحرف مستساغة في اللسان.
وقد اشترط في اشتقاق هذه الصيغة امران، ان يدل الفعل على علاج حسي، وان يتلاقى الفعلان في الاشتقاق، (( فانفعل هي لمطاوعة الفعل ذي العلاج أي التاثير المحسوس كقسمته فانقسم فلا يقال علمت المسالة فانعلمت ولا ظننت ذلك حاصلا فانظن لان العلم والظن مما يتعلق بالباطن وليس اثرهما محسوسا ) ) (3) أي ان شرط الاشتقاق ان يكون الفعل مختصا بالعلاج والتاثير أي بالافعال الظاهرة، لان المطاوعة هي قبول الاثر فتكون اولى واوفق في الافعال الظاهرة للعيان، كالكسر والقطع والجذم من الافعال غير الظاهرة كالعلم والفهم فلا يقال علمته فانعلم ولا فهمته فانفهم (4) ، ولايقال ضربته فتألم لعدم التلاقي في الاشتقاق (5) . على الرغم من خروج بعض الافعال عن هذين المقياسين.
ـ مطاوعة انفعل: قال الجوهري: (( المطاوعة الموافقة، والنحويون ربما سموا الفعل اللازم مطاوعا ) ) (6) ، والمطاوعة في انفعل هي قبول فاعله التاثر باثر واقع عليه من فاعل فعل ذي علاج محسوس الى فاعل فعل آخر يلاقيه اشتقاقا بحيث يحقق التاثر معنى ذلك الفعل (7) ، فحقيقة المطاوعة اذن ان يدل احد الفعلين على تاثير ويدل الاخر على قبول فاعله ذلك التاثير (8) ، ويرى ابن عصفور ان معنى المطاوعة في هذا الوزن يكون على نوعين، الاول ان تريد من الشيء امرا فتبلغه بان يفعل ماتريده، وان كان مما يصح منه الفعل والثاني ان يصير الى مثل حال الفاعل الذي يصح منه الفعل وان كان لايصح الفعل منهما، لا أنهما توليا الفعل، لان انفعل لايصح منه مثلهما (9) .
ولاتكون صيغة انفعل مطاوعة لكل الافعال بل تطاوع (فعل) و (افعل) ،فقط وبشروط معينة. قال الزمخشري: (( وانفعل لايكون الا مطاوع فعل كقولك كسرته فانكسر وحطمته فانحطم الا ماشذ من قولهم اقحمته فانقحم واغلقته فانغلق واسقفته فانسقف وازعجته فانزعج ولا يقع الا حيث يكون علاج وتاثير، ولهذا كان قولهم انعدم خطا، وقالوا قلته فانقال لان القائل يعمل في تحريك لسانه ) ) (10) ، فالاصل الغالب في هذا البناء يجيء مطاوعا للفعل الثلاثي المتعدي لواحد، لتمكين المطاوعة فياتي انفعل لذلك غير متعد، (11) ، كون المطاوعة وسيلة لتحويل الفعل من متعد الى لازم. فانفعل اذن لايكون الا لازما، وهو في الاغلب مطاوع فعل، بشرط ان يكون من الاحداث الظاهرة التي تراها العيون ... ولايكون فعل الذي انفعل مطاوع له الا متعديا ... وليست مطاوعة انفعل ل (فعل) مطردة في كل ماهو علاج الفعل العلاجي مايحتاج في حدوثه الى تحريك العضو، فلا يقال طردته فانطرد وانما قالوا طردته فذهب (12) .
وقد يجيء انفعل مطاوعا لافعل نحو ازعجته فانزعج وافحمته فانفحم، واغلقت الباب فانغلق، وادخلته فاندخل، واما انسفقت الباب فانسفق فيجوز ان يكون مطاوع سفقت الباب، أي رددته، لان اسفقت وسفقت بمعنى (13) ، وذلك شاذ عند الحريري لايقاس عليه (14) ، معتمدا على حجة السماع والقياس في ذلك الرفض. واضاف بعض الباحثين انه قد تاتي هذه الصيغة قليلا لمطاوعة الرباعي (15) .